البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٦ - ذكر بيعة على رضى اللَّه عنه بالخلافة
من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين، و يقال إن طلحة و الزبير إنما بايعاه بعد أن طلبهما و سألاه أن يؤمرهما على البصرة و الكوفة، فقال لهما: بل تكونا عندي أستأنس بكما،
و من الناس من يزعم أنه لم يبايعه طائفة من الأنصار، منهم حسان بن ثابت، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلد، و أبو سعيد، و محمد بن مسلمة، و النعمان بن بشير، و زيد بن ثابت، و رافع بن خديج، و فضالة بن عبيد، و كعب بن عجرة. ذكره ابن جرير من طريق المدائني عن شيخ من بنى هاشم عن عبد اللَّه بن الحسن قال المدائني: حدثني من سمع الزهري يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام و لم بايعوا عليا، و لم يبايعه قدامة بن مظعون، و عبد اللَّه بن سلام، و المغيرة بن شعبة، قلت: و هرب مروان بن الحكم و الوليد بن عقبة و آخرون إلى الشام. و قال الواقدي: بايع الناس عليا بالمدينة، و تربص سبعة نفر لم يبايعوا، منهم ابن عمر، و سعد بن أبى وقاص، و صهيب، و زيد بن ثابت، و محمد بن أبى مسلمة، و سلمة بن سلامة بن وقش، و أسامة بن زيد، و لم يتخلف أحد من الأنصار إلا بايع فيما نعلم. و ذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان و أميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر. و المصريون يلحون على على و هو يهرب منهم إلى الحيطان، و يطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، و البصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحدا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبى وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: ان نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم و لم نسلم، فرجعوا إلى على فألحوا عليه، و أخذ الأشتر بيده فبايعه و بايعه الناس، و أهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر النخعي و ذلك يوم الخميس الرابع و العشرون من ذي الحجة، و ذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، و كلهم يقول:
لا يصلح لها إلا على، فلما كان يوم الجمعة و صعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس، و كان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليا و اللج على عنقي و السلام، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، و كانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسة بقين من ذي الحجة،
و كان أول خطبة خطبها أنه حمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: إن اللَّه تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير و الشر، فخذوا بالخير و دعوا الشر، إن اللَّه حرم حرما مجهولة، و فضل حرمة المسلم على الحرم كلها، و شد بالإخلاص و التوحيد حقوق المسلمين، و المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده إلا بالحق، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، و خاصة أحدكم الموت، فان الناس أمامكم، و إنما خلفكم الساعة تحدو بكم فتخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بالناس أخراهم، اتقوا اللَّه عباده في عباده و بلاده، فإنكم مسئولون حتى عن البقاع و البهائم، ثم أطيعوا اللَّه و لا تعصوه،