البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١ - ذكر فتح دمشق
درب الريحان اليوم. هكذا ذكره سيف بن عمر و غيره و هو المشهور أن خالدا فتح الباب قسرا.
و قال آخرون: بل الّذي فتحها عنوة أبو عبيدة و قيل يزيد بن أبى سفيان، و خالد صالح أهل البلد فعكسوا المشهور المعروف و اللَّه أعلم.
و قد اختلف الصحابة فقال قائلون هي صلح- يعنى على ما صالحهم الأمير في نفس الأمر و هو أبو عبيدة-. و قال آخرون: بل هي عنوة، لأن خالدا افتتحها بالسيف أولا كما ذكرنا، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الأمراء و معهم أبو عبيدة فصالحوهم، فأنفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفها صلحا و نصفها عنوة، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم و أقروا عليه، و استقرت يد الصحابة على النصف.
و يقوى هذا ما ذكره سيف بن عمر من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة فيأبون، فلما أحسوا باليأس أنابوا، إلى ما كانت الصحابة دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم. و لم تعلم الصحابة بما كان من خالد إليهم و اللَّه أعلم، و لهذا أخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق و تعرف «بكنيسة يوحنا» فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجدا، و أبقوا لهم نصفها الغربي كنيسة، و قد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة «بيوحنا»، و هي جامع دمشق اليوم. و قد كتب لهم بذلك خالد بن الوليد كتابا، و كتب فيه شهادته أبو عبيدة و عمرو بن العاص و يزيد و شرحبيل: إحداها كنيسة المقسلاط التي اجتمع عندها أمراء الصحابة، و كانت مبنية على ظهر السوق الكبير، و هذه القناطير المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها، ثم بادت فيما بعد و أخذت حجارتها في العمارات. الثانية: كنيسة كانت في رأس درب القرشيين و كانت صغيرة، قال الحافظ ابن عساكر: و بعضها باق إلى اليوم و قد تشعثت. الثالثة: كانت بدار البطيخ العتيقة. قلت: و هي داخل البلد بقرب الكوشك، و أظنها هي المسجد الّذي قبل هذا المكان المذكور، فإنها خربت من دهر و اللَّه أعلم. الرابعة: كانت بدرب بنى نصر بين درب الحبالين و درب التميمي. قال الحافظ ابن عساكر: و قد أدركت بعض بنيانها، و قد خرب أكثرها. الخامسة:
كنيسة بولص، قال ابن عساكر: و كانت غربي القيسارية الفخرية و قد أدركت من بنيانها بعض أساس الحنيّة. السادسة: كانت في موضع دار الوكالة و تعرف اليوم بكنيسة القلانسيين. قلت:
و القلانسيين هي الحواحين اليوم. السابعة: التي بدرب السقيل اليوم و تعرف بكنيسة حميد بن درة سابقا، لأن هذا الدرب كان أقطاعا له و هو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري، و درة أمه، و هي درة ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، فأبوها خال معاوية. و كان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه، و كان مسلما، و لم يبق لهم اليوم سواها، و قد خرب أكثرها. و لليعقوبية منهم كنيسة