البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٠ - و هي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع و نبأ عجيب، و كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
وراءهم و انتموا إلينا عزمنا أيضا على الفرار كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرة أبيهم، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضى اللَّه بيننا.
فاستجاد الناس هذا الرأى، و أمر النعمان على المجردة القعقاع بن عمرو، و أمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم و حدهم و يهربوا بين أيديهم إذا برزوا إليهم. ففعل القعقاع ذلك، فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاع بمن معه ثم نكص ثم نكص فاغتنمها الأعاجم، ففعلوا ما ظن طليحة، و قالوا: هي هي، فخرجوا بأجمعهم و لم يبق بالبلد من المقاتلة إلا من يحفظ لهم الأبواب، حتى انتهوا إلى الجيش، و النعمان بن مقرن على تعبئته. و ذلك في صدر نهار جمعة، فعزم الناس على مصادمتهم، فنهاهم النعمان و أمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول الشمس، و تهب الأرواح، و ينزل النصر كما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يفعل. و ألح الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل- و كان رجلا ثابتا- فلما حان الزوال صلى بالمسلمين ثم ركب برذونا له أحوى قريبا من الأرض، فجعل يقف على كل راية و يحثهم على الصبر و يأمرهم بالثبات، و يقدم إلى المسلمين أنه يكبر الأولى فيتأهب الناس للحملة، و يكبر الثانية فلا يبقى لأحد أهبة، ثم الثالثة و معها الحملة الصادقة. ثم رجع إلى موقفه. و تعبت الفرس تعبئة عظيمة و اصطفوا صفوفا هائلة. في عدد و عدد لم ير مثله، و قد تغلغل كثير منهم بعضهم في بعض و ألقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لا يمكنهم الهرب و لا الفرار، و لا التحيز. ثم إن النعمان بن مقرن رضى اللَّه عنه كبر الأولى و هز الراية فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية و هز الراية فتأهبوا أيضا، ثم كبر الثالثة و حمل و حمل الناس على المشركين و جعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة، و لا سمع السامعون بوقعة مثلها، قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبق وجه الأرض دما، بحيث إن الدواب كانت تطبع فيه، حتى قيل إن الأمير النعمان بن مقرن زلق به حصانه في ذلك الدم فوقع و جاءه سهم في خاصرته فقتله، و لم يشعر به أحد سوى أخيه سويد، و قيل نعيم، و قيل غطاه بثوبه و أخفى موته و دفع الراية إلى حذيفة بن اليمان، فأقام حذيفة أخاه نعيما مكانه، و أمر بكتم موته حتى ينفصل الحال لئلا ينهزم الناس. فلما أظلم الليل انهزم المشركون مدبرين و تبعهم المسلمون [و كان الكفار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفا بالسلاسل و حفروا حولهم خندقا، فلما انهزموا وقعوا في الخندق و في تلك الأودية نحو مائة ألف] [١] و جعلوا يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشر كثير نحو مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل في المعركة، و لم يفلت منهم إلا الشريد. و كان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة فانفلت و انهزم و اتبعه نعيم بن مقرن، و قدم القعقاع بين يديه
[١] سقط من المصرية.