البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٧ - ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين
يعزل عماله و يستبدل أئمة غيرهم، من السابقين و من الصحابة حتى شق ذلك عليه جدا، و بعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده ليستشيرهم، فاجتمع إليه معاوية بن أبى سفيان أمير الشام، و عمرو بن العاص أمير مصر، و عبد اللَّه ابن سعد بن أبى سرح أمير المغرب، و سعيد بن العاص أمير الكوفة، و عبد اللَّه بن عامر أمير البصرة فاستشارهم فيما حدث من الأمر و الافتراق الكلمة عبد اللَّه بن عامر أن يشغلهم بالغزو عما هم فيه من الشر، فلا يكون همّ أحدهم إلا نفسه، و ما هو فيه من دبر دابته و قمل فروته، فان غوعاء الناس إذا تفرغوا و بطلوا اشتغلوا بما لا يعنى و تكلموا بما لا يرضى و إذا تفرقوا نفعوا أنفسهم و غيرهم أشار سعيد بن العاص بأن يستأصل شأفة المفسدين و يقطع دابرهم، و أشار معاوية بأن يرد عماله إلى أقاليمهم و أن لا يلتفت إلى هؤلاء و ما تألبوا عليه من الشر، فإنّهم أقل و أضعف جندا. و أشار عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح بأن يتألفهم بالمال فيعطيهم منه ما يكف به شرهم، و يأمن غائلتهم، و يعطف به قلوبهم إليه. و أما عمرو بن العاص فقام فقال: أما بعد يا عثمان فإنك قد ركبت الناس ما يكرهون فأما أن تعزل عنهم ما يكرهون، و إما أن تقدم فتنزل عمالك على ما هم عليه، و قال له كلاما فيه غلظة، ثم اعتذر إليه في السر بأنه إنما قال هذا ليبلغ عنه من كان حاضرا من الناس إليهم ليرضوا من عثمان بهذا، فعند ذلك قرر عثمان عماله على ما كانوا عليه، و تألف قلوب أولئك بالمال، و أمر بأن يبعثوا إلى الغزو إلى الثغور، فجمع بين المصالح كلها، و لما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص و لبسوا السلاح و حلفوا أن لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان و يولى عليهم أبا موسى الأشعري، و كان اجتماعهم بمكان يقال له الجرعة [١]،- [و قد قال يومئذ الأشتر النخعي:
و اللَّه لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا، و تواقف الناس بالجرعة] [٢]. و أحجم سعيد عن قتالهم و صمموا على منعه، و قد اجتمع في مسجد الكوفة في هذا اليوم حذيفة و أبو مسعود عقبة بن عمرو، فجعل أبو مسعود يقول: [و اللَّه لا يرجع سعيد بن العاص حتى يكون دماء. فجعل حذيفة يقول:] [٣] و اللَّه ليرجعن و لا يكون فيها محجمة من دم، و ما أعلم اليوم شيئا إلا و قد علمته و محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) حي. و المقصود أن سعيد بن العاص كر راجعا إلى المدينة و كسر الفتنة، فأعجب ذلك أهل الكوفة، و كتبوا إلى عثمان ان يولى عليهم ابا موسى الأشعري فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم، و إزالة لشبههم، و قطعا لعللهم.
و ذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الأحزاب على عثمان أن رجلا يقال له عبد اللَّه بن سبإ كان يهوديا فأظهر الإسلام و صار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه، مضمونه أنه يقول للرجل: أ ليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى هذه الدنيا؟ فيقول الرجل:
نعم! فيقول له فرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا، و هو أشرف من عيسى ابن مريم (عليه السلام)؟ ثم يقول: و قد كان أوصى إلى على بن أبى طالب، فمحمد خاتم الأنبياء،
[١] الجرعة مكان مشرف قرب القادسية.
[٢]- (٣) سقط من الحلبية.