البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٢ - فيها كان مقتل على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه على ما سنذكره مفصلا
له بسر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذلك، فخلى عنه، و كتب أبو موسى قبل ذلك إلى أهل اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل من أبى أن يقر بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن و عليها عبيد اللَّه بن عباس ففر إلى الكوفة حتى لحق بعلي، و استخلف على اليمن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن المدان الحاوي، فلما دخل بسر اليمن قتله و قتل ابنه، و لقي بسر ثقل عبيد اللَّه بن عباس و فيه ابنان صغيران له فقتلهما و هما عبد الرحمن و قثم، و يقال إن بسرا قتل خلقا من شيعة على في مسيره هذا و هذا الخبر مشهور عند أصحاب المغازي و السير، و في صحته عندي نظر و اللَّه تعالى أعلم. و لما بلغ عليا خبر بسر وجه جارية بن قدامة في ألفين، و وهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى بلغ نجران فخرق بها و قتل ناسا من شيعة عثمان، و هرب بسر و أصحابه فاتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعوا فقالوا: لمن نبايع و قد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع؟ فقال: بايعوا لمن بايع له أصحاب على، فتثاقلوا ثم بايعوا من خوف، ثم سار حتى أتى المدينة و أبو هريرة يصلى بهم فهرب منه فقال جارية: و اللَّه لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة: بايعوا للحسن ابن على، فبايعوا و أقام عندهم ثم خرج منصرفا إلى الكوفة و عاد أبو هريرة يصلى بهم. قال ابن جرير: و في هذه السنة جرت بين على و معاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على وضع الحرب بينهما، و أن يكون ملك العراق لعلى و لمعاوية الشام، و لا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش و لا غارة و لا غزوة. ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى على:
أما بعد فان الأمة قد قتل بعضها بعضا يعنى فلك العراق ولى الشام. فأقر بذلك على رضى اللَّه عنه.
و أمسك كل واحد منهما عن قتال الآخر، و بعث الجيوش إلى بلاده، و استقر الأمر على ذلك.
قال ابن جرير: و في هذه السنة خرج ابن عباس من البصرة إلى مكة و ترك العمل في قول عامة أهل السير، و قد أنكر ذلك بعضهم و زعم أنه لم يزل عاملا على البصرة حتى صالح على معاوية، و أنه كان شاهدا للصلح، ممن نص على ذلك أبو عبيدة كما سيأتي. ثم ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عباس عن البصرة و ذلك أنه كلم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام فيه غض من أبى الأسود فكتب أبو الأسود إلى على يشكو إليه ابن عباس و ينال من عرضه فإنه تناول شيئا من أموال بيت المال فبعث على إلى ابن عباس فعاتبه في ذلك و حرر عليه التبعة فغضب ابن عباس من ذلك و كتب إلى على: ابعث إلى عملك من أحببت فانى ظاعن عنه و السلام. ثم سار ابن عباس إلى مكة مع أخواله بنى هلال و تبعهم قيس كلها، و قد أخذ شيئا من بيت المال مما كان اجتمع له من العمالة و الفيء، و لما سار تبعته أقوام أخر فلحقهم بنو غنم و أرادوا منعهم من المسير فكان بينهم قتال، ثم تحاجزوا و دخل ابن عباس مكة.