البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧ - وقعة جسر أبى عبيد التي قتل فيها أمير المسلمين و خلق كثير منهم
وقعة النمارق
بعث رستم أميرا يقال له «جابان» و على مجنبتيه رجلان يقال لأحدهما «حشنس ماه» و يقال للآخر «مردان شاه» و هو خصى أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبى عبيد بمكان يقال له النمارق،- بين الحيرة و القادسية- و على الخيل المثنى بن حارثة، و على الميسرة عمرو بن الهيثم فاقتتلوا لك قتالا شديدا و هزم اللَّه الفرس و أسر جابان و مردان شاه. فأما مردان شاه فإنه قتله الّذي أسره، و أما جابان فإنه خدع الّذي أسره حتى أطلقه فأمسكه المسلمون و أبوا أن يطلقوه، و قالوا ان هذا هو الأمير و جاءوا به إلى أبى عبيد فقالوا اقتله فإنه الأمير فقال و إن كان الأمير فانى لا أقتله. و قد أمنه رجل من المسلمين ثم ركب أبو عبيد في آثار من انهزم منهم و قد لجئوا إلى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى و اسمه نرسى فوازرهم نرسى على قتال أبى عبيد فقهرهم أبو عبيد و غنم منهم شيئا كثيرا و أطعمات كثيرة جدا، و للَّه الحمد. و بعث بخمس ما غنم من المال و الطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة و قد قال في ذلك رجل من المسلمين.
لعمري و ما عمري عليّ بهين* * * لقد صبحت بالخزي أهل النمارق
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم* * * يجوسونهم ما بين درنا و بارق
قتلناهم ما بين مرج مسلح* * * و بين الهوانى من طريق التدارق
فالتقوا بمكان بين كسكر و السفاطية و على ميمنة نرسى و ميسرته ابنا خاله بندويه و بيرويه أولاد نظام و كان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس فلما بلغ أبو عبيد ذلك اعجل نرسى بالقتال قبل وصولهم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الفرس و هرب نرسى و الجالينوس الى المدائن بعد وقعة جرت من أبى عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له باروسما فبعث أبو عبيد المثنى بن حارثة و سرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية كنهرجور و نحوها ففتحها صلحا و قهرا و ضربوا الجزية و الخراج و غنموا الأموال الجزيلة و للَّه الحمد و المنة و كسروا الجالينوس الّذي جاء لنصرة جابان و غنموا جيشه و أمواله و كر هاربا إلى قومه حقيرا ذليلا.
وقعة جسر أبى عبيد التي قتل فيها أمير المسلمين و خلق كثير منهم
ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ لما رجع الجالينوس هاربا مما لقي من المسلمين تذامرت الفرس بينهم و اجتمعوا إلى رستم فأرسل جيشا كثيفا عليهم ذا الحاجب «بهمس حادويه» و أعطاه راية أفريدون و تسمى درفش كابيان و كانت الفرس تتيمن بها. و حملوا معهم راية كسرى و كانت من جلود النمور عرضها ثمانية أذرع.
فوصلوا إلى المسلمين و بينهم النهر و عليه جسر فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا و إما إن نعبر إليكم.
فقال المسلمون لأميرهم أبى عبيد أ أمرهم فليعبروهم إلينا. فقال ما هم بأجرأ على الموت منا. ثم اقتحم