البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٨ - و هي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع و نبأ عجيب، و كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
منها، و كتب إلى أبى موسى أن يسير بجنود البصرة، و كتب إلى النعمان، و كان بالبصرة- أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نهاوند، و إذا اجتمع الناس فكل أمير على جيشه و الأمير على الناس كلهم النعمان بن مقرن. فإذا قتل فحذيفة بن اليمان، فان قتل فجرير بن عبد اللَّه، فإن قتل فقيس بن مكشوح، فان قتل قيس ففلان ثم فلان، حتى عد سبعة أحدهم المغيرة بن شعبة، و قيل لم يسم فيهم و اللَّه أعلم.
و صورة الكتاب «بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين، إلى النعمان بن مقرن سلام عليك، فانى أحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر اللَّه و بعون اللَّه و بنصر اللَّه بمن معك من المسلمين، و لا توطئهم وعرا فتؤذيهم، و لا تمنعهم حقهم فتكفرهم، و لا تدخلهم غيضة، فان رجلا من المسلمين أحب إلى من مائة ألف دينار، و السلام عليك. فسر في وجهك ذلك حتى تأتى ماه فانى قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى الفيرزان و من جمع معه من الأعاجم من أهل فارس و غيرهم، و استنصروا و أكثروا من لا حول و لا قوة إلا باللَّه». و كتب عمر إلى نائب الكوفة- عبد اللَّه بن عبد اللَّه- أن يعين جيشا و يبعثهم إلى نهاوند، و ليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان حتى ينتهى إلى النعمان بن مقرن، فإن قتل النعمان فحذيفة، فان قتل فنعيم بن مقرن. و ولى السائب بن الأقرع قسم الغنائم. فسار حذيفة في جيش كثيف نحو النعمان ابن مقرن ليوافوه بماه، و سار معه حذيفة خلق كثير من أمراء العراق، و قد أرصد في كل كورة ما يكفيها من المقاتلة، و جعل الحرس في كل ناحية، و احتاطوا احتياطا عظيما، ثم انتهوا إلى النعمان ابن مقرن حيث اتعدوا، فدفع حذيفة بن اليمان إلى النعمان كتاب عمر و فيه الأمر له بما يعتمده في هذه الوقعة، فكمل جيش المسلمين في ثلاثين ألفا من المقاتلة فيما رواه سيف عن الشعبي، فمنهم من سادات الصحابة و رءوس العرب خلق كثير و جم غفير، منهم عبد اللَّه بن عمر أمير المؤمنين، و جرير بن عبد اللَّه البجلي، و حذيفة بن اليمان، و المغيرة بن شعبة، و عمرو بن معديكرب الزبيدي، و طليحة بن خويلد الأسدي، و قيس بن مكشوح المرادي. فسار الناس نحو نهاوند و بعث النعمان بن مقرن الأمير بين يديه طليعة ثلاثة و هم طليحة، و عمرو بن معديكرب الزبيدي، و عمرو بن أبى سلمة.
و يقال له عمرو بن ثبى أيضا، ليكشفوا له خبر القوم و ما هم عليه. فسارت الطليعة يوما و ليلة فرجع عمرو بن ثبى فقيل له: ما رجعك؟ فقال: كنت في أرض العجم و قتلت أرض جاهلها و قتل أرضا عالمها. ثم رجع بعده عمرو بن معديكرب و قال: لم نر أحدا و خفت أن يؤخذ علينا الطريق، و نفذ طليحة و لم يحفل برجوعهما فسار بعد ذلك نحوا من بضعة عشر فرسخا حتى انتهى إلى نهاوند، و دخل في العجم و علم من أخبارهم ما أحب. ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك، و أنه ليس بينه و بين نهاوند