البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٩ - ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين
به أقصى الغاية في العقوبة لا تفعل ضعفت و رفقت على أقربائك. فقال عثمان: هم أقرباؤك أيضا، فقال على لعمري إن رحمهم منى لقريبة، و لكن الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها، فقد وليته، فقال على: أنشدك اللَّه هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم! قال على: فان معاوية يقطع الأمور دونك و أنت تعلمها و يقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك فلا تنكر و لا تغير على معاوية. ثم خرج عليّ من عنده و خرج عثمان على إثره فصعد المنبر فوعظ و حذر و أنذر، و تهدد و توعد، و أبرق و أرعد، فكان فيما قال: ألا فقد و اللَّه عبتم على بما أقررتم به لابن الخطاب، و لكنه وطئكم برجله، و ضربكم بيده، و قمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، و لنت لكم و أوطأت لكم كتفي، و كففت يدي و لساني عنكم، فاجترأتم على، أما و اللَّه لأنا أعز نفرا و أقرب ناصرا و أكثر عددا و أقمن، إن قلت: هلمّ إليّ إليّ، و لقد أعددت لكم أقرانكم، و أفضلت عليكم فضولا، و كشرت لكم عن نابي، فأخرجتم منى خلقا لم أكن أحسنه، و منطقا لم أنطق به، فكفوا ألسنتكم و طعنكم و عيبكم على ولاتكم فانى قد كففت عنكم من لو كان هو الّذي يليكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم؟ فو اللَّه ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي. ثم اعتذر عما كان يعطى أقرباءه بأنه من فضل ماله. فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم و اللَّه حكمنا بيننا و بينكم السيف، نحن و اللَّه و أنتم كما قال الشاعر:
فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم* * * مغارسكم تبنون في دمن الثرى
فقال عثمان: اسكت لا سكتّ، دعني و أصحابى، ما منطقك في هذا، أ لم أتقدم إليك أن لا تنطق.
فسكت مروان و نزل عثمان رضى اللَّه عنه.
و ذكر سيف بن عمر و غيره أن معاوية لما ودعه عثمان حين عزم على الخروج إلى الشام عرض عليه أن يرحل معه إلى الشام فإنهم قوم كثيرة طاعتهم للأمراء. فقال: لا أختار بجوار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سواه. فقال: أجهز لك جيشا من الشام يكونون عندك ينصرونك؟ فقال: إني أخشى أن أضيق بهم بلد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على أصحابه من المهاجرين و الأنصار. قال معاوية: فو اللَّه يا أمير المؤمنين لتغتالن- أو قال: لتغزين- فقال عثمان: حسبي اللَّه و نعم الوكيل. ثم خرج معاوية من عنده و هو متقلد السيف و قوسه في يده، فمر على ملأ من المهاجرين و الأنصار، فيهم على بن أبى طالب، و طلحة، و الزبير، فوقف عليهم و اتكأ على قوسه و تكلم بكلام بليغ يشتمل على الوصاة بعثمان بن عفان رضى اللَّه تعالى عنه، و التحذير ممن إسلامه إلى أعدائه، ثم انصرف ذاهبا. فقال الزبير: ما رأيته أهيب في عيني من يومه هذا. و ذكر ابن جرير أن معاوية استشعر الأمر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة، و ذلك أنه سمع حاديا يرتجز في أيام الموسم في هذا العام و هو يقول: