البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٣ - أول غزو الترك
- ذو النور أيضا- و جعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد، و على الأخرى بكير بن عبد اللَّه الليثي- و كان قد تقدمهم إلى الباب- و على المقاسم سلمان بن ربيعة. فساروا كما أمرهم عمر و على تعبئته، فلما انتهى مقدم العساكر- و هو عبد الرحمن بن ربيعة- إلى الملك الّذي هناك عند الباب و هو شهربراز ملك أرمينية و هو من بيت الملك الّذي قتل بنى إسرائيل و غزا الشام في قديم الزمان، فكتب شهربراز لعبد الرحمن و استأمنه فأمنه عبد الرحمن بن ربيعة، فقدم عليه الملك، فأنهى إليه أنّ صغوه إلى المسلمين، و أنه مناصح للمسلمين. فقال له: إن فوقى رجلا فاذهب إليه. فبعثه إلى سراقة ابن عمرو أمير الجيش، فسأل من سراقة الأمان، فكتب إلى عمر فأجاز ما أعطاه من الأمان، و استحسنه، فكتب له سراقة كتابا بذلك. ثم بعث سراقة بكيرا، و حبيب بن مسلمة، و حذيفة ابن أسيد، و سلمان بن ربيعة، إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللان و تفليس و موقان، فافتتح بكير موقان، و كتب لهم كتاب أمان و مات في غضون ذلك أمير المسلمين لك، و هو سراقة بن عمرو، و استخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك و أمره بغزو الترك.
أول غزو الترك
و هو تصديق الحديث المتقدم الثابت
في الصحيح عن أبى هريرة و عمرو بن تغلب، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه، دلف الأنوف، حمر الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة» و في رواية «يبتلعون الشعر
» لما جاء كتاب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك، سار حتى قطع الباب قاصدا لما أمره عمر، فقال له شهربراز: أين تريد؟ قال: أريد ملك الترك بلنجر، فقال له شهربراز: إنا لنرضى منهم بالموادعة، و نحن من وراء الباب. فقال له عبد الرحمن: إن اللَّه بعث إلينا رسولا، و وعدنا على لسانه بالنصر و الظفر، و نحن لا نزال منصورين، فقاتل الترك و سار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ، و غزا مرات متعددة. ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
و قال سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة. قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال اللَّه بين الترك و الخروج عليه، و قالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا و معهم الملائكة تمنعهم من الموت. فتحصنوا منه و هربوا بالغنم و الظفر. ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم، كما كان يظفر بغيرهم. فلما ولى عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد، غزاهم فتذامرت الترك و قال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون، قال: انظروا و فعلوا فاختفوا لهم في الغياض.