البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٢ - ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين
المنكبين: أشهل العينين، رجلا لا يغير شيبة رضى اللَّه عنه.
الربيع بنت معوذ بن عفراء
أسلمت قديما و كانت تخرج مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الغزوات فتداوى الجرحى، و تسقى الماء للكلمى، و روت أحاديث كثيرة* و قد قتل في هذه السنة في أيام صفين خلق كثير و جم غفير، فقيل قتل من أهل الشام خمسة و أربعون ألفا و من أهل العراق خمسة و عشرون ألفا. و قيل قتل من أهل العراق أربعون ألفا- من مائة و عشرين ألفا- و قتل من أهل الشام عشرون ألفا من ستين ألفا و بالجملة فقد كان فيهم أعيان و مشاهير يطول استقصاؤهم و فيما ذكرنا كفاية و اللَّه تعالى أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين
فيها بعث معاوية عمرو بن العاص إلى ديار مصر فأخذها من محمد بن أبى بكر و استناب معاوية عمرا عليها، و ذلك كما سنبينه، و قد كان على رضى اللَّه عنه استناب عليها قيس بن سعد بن عبادة و انتزعها من يد محمد بن أبى حذيفة حين كان استحوذ عليها و منع عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح من التصرف فيها، حين حصر عثمان- و قد كان عثمان استخلفه عليها و عزل عنها عمرو بن العاص- و عمرو كان هو الّذي افتتحها كما قدمنا ذكر ذلك. ثم إن عليا عزل قيس بن سعد عنها و ولى عليها محمد بن أبى بكر و قد ندم على على عزل قيس بن سعد عنها، و ذلك أنه كان كفوا لمعاوية و عمرو، و لما ولى محمد بن أبى بكر لم يكن فيه قوة تعادل معاوية و عمرا، و حين عزل قيس بن سعد عنها رجع إلى المدينة ثم سار إلى على بالعراق فكان معه، و كان معاوية يقول: و اللَّه لقيس بن سعد عند على أبغض إلى من مائة ألف مقاتل بدله عنده، فشهد معه صفين فلما فرغ على من صفين و بلغه أن أهل مصر قد استخفوا بمحمد بن أبى بكر لكونه شاب ابن ست و عشرين سنة أو نحو ذلك عزم على رد مصر إلى قيس بن سعد و كان قد جعله على شرطته أو إلى الأشتر النخعي و قد كان نائبة على الموصل و نصيبين، فكتب إليه بعد صفين فاستقدمه عليه ثم ولاه مصر، فلما بلغ معاوية تولية على للأشتر النخعي ديار مصر بدل محمد بن أبى بكر عظم ذلك عليه، و ذلك أنه كان قد طمع في مصر و استنزاعها من يد محمد ابن أبى بكر، و علم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه و شجاعته، فلما سار الأشتر إليها و انتهى إلى القلزم استقبله الخانسار و هو مقدم على الخراج فقدم إليه طعاما و سقاه شرابا من عسل فمات منه، فلما بلغ ذلك معاوية و عمرا، و أهل الشام قالوا: إن للَّه جنودا من عسل. و قد ذكر ابن جرير في تاريخه أن معاوية كان قد تقدم إلى هذا الرجل في أن يحتال على الأشتر ليقتله و وعده على ذلك بأمور ففعل ذلك، و في هذا نظر، و بتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر لأنه من قتلة عثمان رضى اللَّه عنه.
و المقصود أن معاوية و أهل الشام فرحوا فرحا شديدا بموت الأشتر النخعي، و لما بلغ ذلك عليا