البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - وقعة اليرموك
النصرانية فلنمت على دينهم. فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم. قالوا: و قتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة و ابنه عمرو، و سلمة بن هشام، و عمرو بن سعيد، و أبان بن سعيد، و أثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين ذهب و ضرار بن الأزور، و هشام بن العاص و عمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسيّ، و حقق اللَّه رؤيا أبيه يوم اليمامة. و قد أتلف في هذا اليوم جماعة من الناس انهزم عمرو ابن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم رجعوا حين زجرهم النساء، و انكشف شرحبيل بن حسنة و أصحابه ثم تراجعوا حين وعظهم الأمير بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ الآية.
و ثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان و قاتل قتالا شديدا، و ذلك أن أباه مر به فقال له: يا بنى عليك بتقوى اللَّه و الصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين الا محفوفا بالقتال، فكيف بك و بأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين؟! أولئك أحق الناس بالصبر و النصيحة، فاتق اللَّه يا بنى و لا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر و الصبر في الحرب و لا أجرأ على عدو الإسلام منك. فقال: أفعل إن شاء اللَّه. فقاتل يومئذ قتالا شديدا و كان من ناحية القلب رضى اللَّه عنه، و قال سعيد بن المسيب عن أبيه قال: هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملأ العسكر يقول: يا نصر اللَّه اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد. و أكمل خالد ليلته في خيمة تدارق أخى هرقل- و هو أمير الروم كلهم يومئذ- هرب فيمن هرب، و باتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا، و قتل تدارق و كان له ثلاثون سرادقا و ثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش و الحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان لك من الغنائم. و ما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين أعلمهم خالد بذلك و لكن عوضهم اللَّه بالفاروق رضى اللَّه عنه.
و قال خالد حين عزى المسلمين في الصديق: الحمد للَّه الّذي قضى على أبى بكر بالموت، و كان أحب إلى من عمر، و الحمد للَّه الّذي ولى عمر و كان أبغض إلى من أبى بكر و ألزمنى حبه.
و قد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن على عهدنا و صلحنا؟ قال: نعم. ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق. و بعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها و رجع. فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها فحضروا بين يديه و أمر بملطية فحرقت و انتهت الروم منهزمة إلى هرقل و هو بحمص و المسلمون في آثارهم يقتلون و يأسرون و يغنمون. فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص و جعلها بينه و بين المسلمين و ترس بها و قال