البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٠ - ثم دخلت سنه ثنتين و ثلاثين
قتال المسلمين، و يظنون أنهم لا يموتون- حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن بن ربيعة- و كان يقال له ذو النون- و انهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر، و فرقة سلكوا ناحية جيلان و جرجان، و في هؤلاء أبو هريرة و سلمان الفارسي. و أخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة- و كان من سادات المسلمين و شجعانهم- فدفنوه في بلادهم فهم يستسقون عنده إلى اليوم، و لما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص على ذلك الفرع سلمان بن ربيعة، و أمدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة، فتنازع حبيب و سلمان في الإمرة حتى اختلفا، فكان أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة و أهل الشام، حتى قال في ذلك رجل من أهل الكوفة و هو أوس:
فان تضربوا سلمان نضرب حبيبكم* * * و إن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل
و إن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا* * * و هذا أمير في الكتائب مقبل
و نحن ولاة الثغر كما حماته* * * ليالي نرمي كل ثغر و ننكل
و فيها فتح ابن عامر مروالروذ و الطالقان و الفارياب و الجوزجان و طخارستان. فأما مروالروذ فبعث إليهم أبو عامر الأحنف بن قيس فحصرها فخرجوا إليه فقاتلهم حتى كسرهم فاضطرهم إلى حصنهم، ثم صالحوه على مال جزيل و على أن يضرب على أراضى الرعية الخراج، و يدع الأرض التي كان اقتطعها كسرى لوالد المرزبان، صاحب مرو، حين قتل الحية التي كانت تقطع الطريق على الناس و تأكلهم، فصالحهم الأحنف على ذلك، و كتب لهم كتاب صلح بذلك، ثم بعث الأحنف الأقرع بن حابس إلى الجوزجان ففتحها بعد قتال وقع بينهم، قتل فيه خلق من شجعان المسلمين، ثم نصروا فقال في ذلك أبو كثير النهشلي قصيدة طويلة فيها:
سقى مزن السحاب إذا استهلت* * * مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق حوط* * * أبادهم هناك الأقرعان
ثم سار الأحنف من مروالروذ إلى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على أربعمائة ألف، و استناب ابن عمه أسيد بن المشمس على قبض المال، ثم ارتحل يريد الجهاد، و داهمه الشتاء فقال لأصحابه:
ما تشاءون؟ فقالوا: قد قال عمرو بن معديكرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه* * * و جاوزه إلى ما تستطيع
فأمر الأحنف بالرحيل إلى بلخ فأقام بها مدة الشتاء، ثم عاد إلى عامر فقيل لابن عامر ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس و كرمان و سجستان و عامر خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكري للَّه على ذلك أن أحرم بعمرة من موقفي هذا مشمرا فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم على