البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩١ - ثم دخلت سنة ثمانية عشر
و قال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، و أول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة و ما حولها جوع فهلك كثير من الناس، حتى جعلت الوحش تأوى إلى الانس، فكان الناس بذلك و عمر كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسول رسول اللَّه إليك، يقول لك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «لقد عهدتك كيسا، و ما زلت على ذلك [١]، فما شأنك»؟ قال:
متى رأيت هذا؟ قال: البارحة.
فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال:
أيها الناس أنشدكم اللَّه هل تعلمون منى أمرا غيره خير منه؟ فقالوا: اللَّهمّ لا، فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذية و ذية. قالوا: صدق بلال فاستغث باللَّه ثم بالمسلمين. فبعث إليهم- و كان عمر عن ذلك محصورا- فقال عمر: اللّه أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف. ما أذن لقوم في الطلب إلا و قد رفع عنهم الأذى و البلاء. و كتب إلى أمراء الأمصار أن أغيثوا أهل المدينة و من حولها، فإنه قد بلغ جهدهم. و أخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج و خرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيا، فخطب و أوجز و صلى ثم جثى لركبتيه و قال: اللَّهمّ إياك نعبد و إياك نستعين، اللَّهمّ اغفر لنا و ارحمنا و ارض عنا. ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران.
ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال: ليس فيهن شيء. فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال يا محمداه. فلما أمسى أرى في المنام أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول له: «أبشر بالحياة، ايت عمر فأقره منى السلام و قل له إن عهدي بك وفىّ العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر»، فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). فأتى عمر فأخبره ففزع ثم صعد عمر المنبر فقال للناس أنشدكم اللَّه الّذي هداكم للإسلام هل رأيتم منى شيئا تكرهونه؟
فقالوا: اللَّهمّ لا، و عم ذاك؟ فأخبرهم بقول المزني- و هو بلال بن الحارث- ففطنوا و لم يفطن.
فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال: اللَّهمّ عجزت عنا أنصارنا، و عجز عنا حولنا و قوتنا، و عجزت عنا أنفسنا، و لا حول و لا قوة إلا بك، اللَّهمّ اسقنا و أحى العباد و البلاد.
و قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة و أبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن على الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)
[١] في الطبري: فما زالت على رجل.