البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٦ - سنة أربع عشرة من الهجرة النبويّة
رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه الأمر. هذه عظتى إياك، إن تركتها و رغبت عنها حبط عملك و كنت من الخاسرين. و لما أراد فراقه قال له: إنك ستقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك و نابك، تجمع لك خشية اللَّه، و أعلم أن خشية اللَّه تجتمع في أمرين، في طاعته و اجتناب معصيته، و إنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا و حب الآخرة، و إنما عصيان من عصاه بحب الدنيا و بغض الآخرة. و للقلوب حقائق ينشئها اللَّه إنشاء، منها السر و منها العلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده و ذامّه في الحق سواء، و أما السر فيعرف بظهور الحكمة من قبله على لسانه، و بمحبة الناس، و من محبة الناس. فلا تزهد في التحبب فان النبيين قد سألوا محبتهم، و إن اللَّه إذا أحب عبدا حبّبه، و إذا أبغض عبدا بغّضه، فاعتبر منزلتك عند اللَّه بمنزلتك عند الناس.
قالوا: فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن، و ألف من سائر الناس، و قيل في ستة آلاف. و شيعهم عمر من صرار إلى الأعوص و قام عمر في الناس خطيبا لك فقال:
إن اللَّه إنما ضرب لكم الأمثال، و صرف لكم القول لتحيى القلوب فان القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها اللَّه، من علم شيئا فلينتفع به، فان للعدل أمارات و تباشير، فأما الأمارات فالحياء و السخاء و الهين و اللين. و أما التباشير فالرحمة. و قد جعل اللَّه لكل أمر بابا، و يسر لكل باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار، و مفتاحه الزهد، و الاعتبار ذكر الموت و الاستعداد بتقديم الأموال.
و الزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق و الاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فان لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء. إني بينكم و بين اللَّه، و ليس بيني و بينه أحد، و إن اللَّه قد ألزمنى دفع الدعاء عنه فانهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع. ثم سار سعد إلى العراق، و رجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة. و لما انتهى سعد إلى نهر زرود، و لم يبق بينه و بين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، و كل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الّذي كان جرحه يوم الجسر فمات (رحمه اللَّه) و رضى اللَّه عنه، و استخلف على الجيش بشير بن الخصاصية. و لما بلغ سعدا موته ترحم عليه و تزوج زوجته سلمى. و لما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها و إمرتها، و لم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره و أمده عمر بأمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفا، و قيل ستة و ثلاثون. و قال عمر: و اللَّه لأرمين ملوك العجم بملوك العرب. و كتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، و العرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، و أن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، و أمر على القبائل، و ولى على الطلائع، و المقدمات، و المجنبات و الساقات، و الرجالة، و الركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.