البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٤ - ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين
مكة و عليهم سهل بن حنيف، و ثبت ربيعة مع على رضى اللَّه عنه و اقترب أهل الشام منه حتى جعلت نبالهم تصل إليه، و تقدم إليه مولى لبني أمية فاعترضه مولى لعلى فقتله الأموي و أقبل يريد عليا و حوله بنوه الحسن الحسين و محمد بن حنفية، فلما وصل إلى على أخذه على بيده فرفعه ثم ألقاه على الأرض فكسر عضده و منكبه و ابتدره الحسين و محمد بأسيافهما فقتلاه
فقال على للحسن ابنه و هو واقف معه: ما منعك أن تصنع كما صنعا فقال: كفيان أمره يا أمير المؤمنين و أسرع إلى على أهل الشام فجعل على لا يزيده قربهم منه سرعة في مشيته، بل هو سائر على هينته، فقال له ابنه الحسن: يا أبة لو سعيت أكثر من مشيتك هذه فقال. يا بنى إن لأبيك يوما لن يعدوه و لا يبطئ به عنه السعي و لا يعجل به إليه المشي إن أباك و اللَّه ما يبالي وقع على الموت أو وقع عليه
ثم إن عليا أمر الأشتر النخعي أن يلحق المنهزمين فيردهم فسار فأسرع حتى استقبل المنهزمين من العراق فجعل يؤنبهم و يوبخهم و يحرض القبائل و الشجعان منهم على الكرة فجعل طائفة تتابعه و آخرون يستمرون في هزيمتهم فلم يزل ذلك دأبه حتى اجتمع عليه خلق عظيم من الناس فجعل لا يلقى قبيلة إلا كشفها و لا طائفة إلا ردها حتى انتهى إلى أمير الميمنة و هو عبد اللَّه بن بديل و معه نحو في ثلاثمائة قد ثبتوا في مكانهم فسألوا عن أمير المؤمنين فقالوا حي صالح فالتفوا إليه، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس و ذلك ما بين صلاة العصر إلى الغروب، و أراد ابن بديل أن يتقدم إلى أهل الشام فأمره الأشتر أن يثبت مكانه فإنه خير له فأبى عليه ابن بديل، و حمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفا أمام أصحابه و في يده سيفان و حوله كتائب أمثال الجبال، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعة منهم فقتلوه و ألقوه إلى الأرض قتيلا، و فر أصحابه منهزمين و أكثرهم مجروح فلما انهزم أصحابه قال معاوية لأصحابه انظروا إلى أميرهم، فجاءوا إليه فلم يعرفوه فتقدم معاوية إليه فإذا هو عبد اللَّه بن بديل، فقال معاوية:
هذا و اللّه كما قال الشاعر، و هو حاتم الطائي:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها* * * و إن شمرت يوما به الحرب شمرا
و يحمى إذا ما الموت كان لقاؤه* * * كذلك ذو الأشبال يحمى إذا ما تأمرا
كليث هزبر كان يحمى ذماره* * * رمته المنايا سهمها فتقطرا
ثم حمل الأشتر النخعي بمن رجع معه من المنهزمين فصدق الحملة حتى خالط الصفوف الخمسة الذين تعاقدوا أن لا يفروا و هم حول معاوية، فخرق منهم أربعة و بقي بينه و بين معاوية صف، قال الأشتر فرأيت هولا عظيما، و كدت أن أفر فما ثبتني إلا قول ابن الاطنابة و هي أمه من بلقين و كان هو من الأنصار و هو جاهلى:
أبت لي عفتي و أبى بلائي* * * و إقدامي على البطل المشيح