البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٣ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
فضرب رجل رجل حكيم بن جبلة فقطعها، فزحف حتى أخذها و ضرب بها ضاربه فقتله ثم اتكأ عليه و جعل يقول:
يا ساق لن تراعى* * * إن لك ذراعي
أحمى بها كراعى
و قال أيضا:
ليس على أن أموت عار* * * و العار في الناس هو الفرار
و المجد لا يفضحه الدمار
فمر عليه رجل و هو متكئ برأسه على ذلك الرجل، فقال له: من قتلك؟ فقال له وسادتي. ثم مات حكيم قتيلا هو و نحو من سبعين من قتلة عثمان و أنصارهم أهل المدينة، فضعف جأش من خالف طلحة و الزبير من أهل البصرة، و يقال: إن أهل البصرة بايعوا طلحة و الزبير، و ندب الزبير ألف فارس يأخذها معه و يلتقى بها عليا قبل أن يجيء فلم يجبه أحد، و كتبوا بذلك إلى أهل الشام يبشرونهم بذلك، و قد كانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست و ثلاثين، و قد كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان تدعوه إلى نصرتها و القيام معها فان لم يجئ فليكف يده و ليلزم منزله، أي لا يكون عليها و لا لها، فقال: أنا في نصرتك ما دمت في منزلك، و أبى أن يطيعها في ذلك، و قال:
رحم اللَّه أم المؤمنين أمرها اللَّه أن تلزم بيتها و أمرنا أن نقاتل، فخرجت من منزلها و أمرتنا بلزوم بيوتنا التي كانت هي أحق بذلك منا، و كتبت عائشة إلى أهل اليمامة و الكوفة بمثل ذلك.
ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
بعد أن كان قد تجهز قاصدا الشام كما ذكرنا، فلما بلغه قصد طلحة و الزبير البصرة، خطب الناس و حثهم على المسير إلى البصرة ليمنع أولئك من دخولها، إن أمكن، أو يطردهم عنها إن كانوا قد دخلوها، فتثاقل عنه أكثر أهل المدينة، و استجاب له بعضهم، قال الشعبي: ما نهض معه في هذا الأمر غير ستة نفر من البدريين، ليس لهم سابع. و قال غيره أربعة. و ذكر ابن جرير و غيره قال كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبو الهيثم بن التيهان، و أبو قتادة الأنصاري، و زياد بن حنظلة، و خزيمة بن ثابت. قالوا: و ليس بذي الشهادتين، ذاك مات في زمن عثمان رضى اللَّه عنه. و سار على من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس و على مكة قثم بن عباس و ذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست و ثلاثين، و خرج على من المدينة في نحو من تسعمائة مقاتل، و قد لقي عبد اللَّه بن سلام رضى اللَّه عنه عليا و هو بالربذة، فأخذ بعنان فرسه و قال: يا أمير المؤمنين! لا تخرج منها، فو اللَّه لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا، فسبّه بعض الناس،
فقال على: دعوه فنعم الرجل من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و جاء الحسن بن على إلى أبيه في الطريق فقال: لقد نهيتك فعصيتني تقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك. فقال له على: إنك لا تزال