البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٩ - فصل في غزوة القادسية
سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة، فقال دعنا من هذا و أخبرنا عن رستم، فقال: هو في مائة ألف و عشرين ألفا، و يتبعها مثلها. و أسلم الرجل من فوره (رحمه اللَّه).
قال سيف عن شيوخه: و لما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه. فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضى اللَّه عنه. فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا و كنا نحسن إليكم و نكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم و لا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا. فقال له المغيرة: إنا ليس طلبنا الدنيا، و إنما هنا و طلبنا الآخرة، و قد بعث اللَّه إلينا رسولا قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، و أجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، و هو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، و لا يعتصم به إلا عز. فقال له رستم: فما هو؟ فقال أما عموده الّذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و الإقرار بما جاء من عند اللَّه، فقال ما أحسن هذا؟! و أي شيء أيضا؟ قال و إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة اللَّه. قال: و حسن أيضا و أي شيء أيضا؟ قال: و الناس بنو آدم، فهم إخوة لأب و أم، قال و حسن أيضا. ثم قال رستم: أ رأيت إن دخلنا في دينكم أ ترجعون عن بلادنا؟
قال: إي و اللَّه ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة. قال: و حسن أيضا. قال: و لما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فأنفوا ذلك و أبوا أن يدخلوا فيه قبحهم اللَّه و أخزاهم و قد فعل.
قالوا: ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه و هو ربعي بن عامر، فدخل عليه و قد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة و الزرابي الحرير، و أظهر اليواقيت و اللآلئ الثمينة، و الزينة العظيمة، و عليه تاجه و غير ذلك من الأمتعة الثمينة. و قد جلس على سرير من ذهب. و دخل ربعي بثياب صفيقة و سيف و ترس و فرس قصيرة، و لم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل و ربطها ببعض تلك الوسائد، و أقبل و عليه سلاحه و درعه و بيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم. و إنما جئتكم حين دعوتموني فان تركتموني هكذا و إلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال اللَّه ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللَّه، و من ضيق الدنيا إلى سعتها، و من جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه و رجعنا عنه، و من أبى قاتلناه أبدا حتى نفضى إلى موعود اللَّه. قالوا: و ما موعود اللَّه؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، و الظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى تنظر فيه و تنظروا؟ قال نعم! كم أحب إليكم؟ يوما أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا و رؤساء قومنا. فقال: