البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٣ - فصل
لأجد برده بين ثدييّ و بين كتفي، و قال لي: إن شئت نصرت عليهم، و إن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عنده» فقتل ذلك اليوم.
و قال محمد بن سعد: أنا عفان بن مسلم ثنا وهيب ثنا داود عن زياد بن عبد اللَّه عن أم هلال بنت وكيع عن امرأة عثمان- قال: و أحسبها بنت الفرافصة- قالت: أغفى عثمان فلما استيقظ قال:
إن القوم يقتلونني، قلت: كلا يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ابا بكر و عمر، فقالوا:
أفطر عندنا الليلة، أو إنك مفطر عندنا الليلة. و قال الهيثم بن كليب: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني ثنا شبابة ثنا يحيى بن أبى راشد مولى عمر بن حريث عن محمد بن عبد الرحمن الجرشى. و عقبة بن أسد عن النعمان بن بشير عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية- امرأة عثمان- قالت: لما حصر عثمان ظل اليوم الّذي كان فيه قتله صائما، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه، و قالوا:
دونك ذلك الركى. و ركي في الدار الّذي يلقى فيه النتن- قالت: فلم يفطر فرأيت جارا [١] على أحاجير متواصلة- و ذلك في السحر- فسألتهم الماء العذب، فأعطونى كوزا من ماء، فأتيته فقلت:
هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال: إني أصبحت صائما، قالت: فقلت و من أين اكلت؟ و لم أر أحدا أتاك بطعام و لا شراب؟ فقال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اطلع عليّ من هذا السقف و معه دلو من ماء فقال: اشرب يا عثمان، فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد فشربت حتى نهلت، ثم قال: أما إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، و إن تركتهم أفطرت عندنا، قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.
و قال أبو يعلى الموصلي و عبد اللَّه بن الامام أحمد: حدثني عثمان بن أبى شيبة ثنا يونس بن أبى يعفور العبديّ عن أبيه عن مسلم أبى سعيد مولى عثمان بن عفان أن عثمان أعتق عشرين مملوكا و دعا بسراويل فشدها و لم يلبسها في جاهلية و لا إسلام، و قال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام، و أبا بكر و عمر، و أنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل و هو بين يديه. قلت: إنما لبس السراويل رضى اللَّه عنه في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل فإنه كان شديد الحياء، كانت تستحي منه ملائكة السماء، كما نطق بذلك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وضع بين يديه المصحف يتلو فيه، و استسلم لقضاء اللَّه عز و جل، و كف يده عن القتال، و أمر الناس و عزم عليهم أن لا يقاتلوا دونه، و لو لا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه، و لكن كان أمر اللَّه قدرا مقدورا. و قال هشام بن عروة عن أبيه: إن عثمان رضى اللَّه عنه أوصى إلى الزبير. و قال الأصمعي عن العلاء بن الفضل عن أبيه. قال: لما قتل عثمان فتشوا خزانته فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ففتحوه
[١] بياض بأصل المصرية.