البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٧ - فصل
و نصلت أسنتنا، فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدتنا، و لعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا و هلك منا فإنه أقوى لنا على عدونا- و كان الّذي تكلم بهذا الأشعث بن قيس الكندي فبايعهم و أقبل بالناس حتى نزل بالنخيلة و أمرهم أن يلزموا معسكرهم و يوطنوا أنفسهم على جهاد عدوهم و يقلوا زيارة نسائهم و أبنائهم، فأقاموا معه أياما متمسكين برأيه و قوله، ثم تسللوا حتى لم يبق منهم أحد إلا رءوس أصحابه، فقام على فيهم خطيبا فقال: الحمد للَّه فاطر الخلق و فالق الأصباح و ناشر الموتى و باعث من في القبور، و أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أوصيكم بتقوى اللَّه فان أفضل ما توسل به العبد الايمان و الجهاد في سبيله و كلمة الإخلاص فإنها الفطرة، و إقام الصلاة، فإنها الملة، و إيتاء الزكاة فإنها من فريضته، و صوم شهر رمضان فإنه جنة من عذابه، و حج البيت فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب، و صلة الرحم فإنها مثراة في المال، منسأة في الأجل، محبة في الأهل، و صدقة السر فإنها تكفر الخطيئة و تطفئ غضب الرب، و صنع المعروف فإنه يدفع ميتة السوء و يقي مصارع الهول، أفيضوا في ذكر اللَّه فإنه أحسن الذكر، و ارغبوا فيما وعد المتقون فان وعد اللَّه أصدق الوعد، و اقتدوا بهدى نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم) فإنه أفضل الهدى، و استسنوا بسنته فإنها أفضل السنن، و تعلموا كتاب اللَّه فأنه أفضل الحديث، و تفقهوا في الدين فإنه ربيع القلوب، و استشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور، و أحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص، و إذا قرئ عليكم فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون، و إذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فان العالم العامل بغير علمه كالجاهل الجائر الّذي لا يستقيم عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة أعظم، و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحير في جهله، و كلاهما مضلل مثبور، لا ترتابوا فتشكوا، و لا تشكوا فتكفروا، و لا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا، و لا تذهلوا في الحق فتخسروا، ألا و ان من الحزم أن تثقوا، و من الثقة أن لا تغتروا، و إن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه و إن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، من يطع اللَّه يأمن و يستبشر، و من يعص اللَّه يخف و يندم، ثم سلوا اللَّه اليقين و ارغبوا إليه في العافية، و خير ما دام في القلب اليقين، إن عوازم الأمور أفضلها، و إن محدثاتها شرارها و كل محدث بدعة و كل محدث مبتدع، و من ابتدع فقد ضيع، و ما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة، المغبون من غبن دينه، و المغبون من خسر نفسه، و إن الرياء من الشرك، و إن الإخلاص من العمل و الايمان، و مجالس اللهو تنسى القرآن و يحضرها الشيطان، و تدعو إلى كل غى، و مجالسة النساء تزيغ القلوب و تطمح إليه الأبصار، و هي مصائد الشيطان، فأصدقوا اللَّه فان اللَّه مع من صدق و جانبوا الكذب فان الكذب مجانب للايمان ألا إن الصدق على شرف منجاة و كرامة، و إن الكذب على شرف ردى و هلكة، ألا و قولوا الحق تعرفوا به