البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤١ - فصل في غزوة القادسية
قتلناكم دخلتم النار و أديتم الجزية. قال: فلما قال و أديتم الجزية نخروا و صاحوا و قالوا: لا صلح بيننا و بينكم. فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم: بل نعبر إليكم. فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم.
و ذكر سيف أن سعدا كان به عرق النساء يومئذ، و أنه خطب الناس و تلى قوله تعالى: (و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، و صلى بالناس الظهر ثم كبر أربعا و حملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا: لا حول و لا قوة إلا باللَّه، في طردهم إياهم، و قتلهم لهم. و قعودهم لهم كل مرصد، و حصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب و السنانير. و ما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، و لجأ أكثرهم إلى المدائن، و لحقهم المسلمون إلى أبوابها. و كان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى اللَّه قبل الوقعة فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، و خرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم و أرديتهم على عواتقهم و سياطهم بأيديهم، و النعال في أرجلهم، و خيولهم الضعيفة، و خبطها الأرض بأرجلها. و جعلوا يتعجبون منها غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها و عددها. و لما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم و أجلسهم بين يديه، و كان متكبرا قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها؟ عن الأردية، و النعال، و السياط ثم كلما قالوا له شيئا من ذلك تفاءل فرد اللَّه فأله على رأسه. ثم قال لهم: ما الّذي أقدمكم هذه البلاد؟
أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا؟ فقال له النعمان بن مقرن: إن اللَّه رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير و يأمرنا به، و يعرفنا الشر و ينهانا عنه، و وعدنا على إجابته خير الدنيا و الآخرة.
فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه و فرقة تباعده، و لا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء اللَّه أن يمكث، ثم أمر أن ينهد إلى من خالفه من العرب و يبدأ بهم، ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكروه عليه فاغتبط، و طائع إياه فأزداد. فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الّذي كنا عليه من العداوة و الضيق، و أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا و هو دين الإسلام حسن الحسن و قبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء [١] فان أبيتم فالمناجزة. و إن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب اللَّه و أقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه و نرجع عنكم، و شأنكم و بلادكم، و أن أتيتمونا بالجزى [١] قبلنا و منعناكم و إلا قاتلناكم. قال فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى و لا أقل عددا و لا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس و لا تطمعون أن تقوموا لهم. فان كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، و إن كان الجهد دعاكم فرضنا
[١] كذا بالنسختين و المراد «الجزية» أ ه مصححه.