البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٠ - ثم دخلت سنة ثمانية عشر
ثم دخلت سنة ثمانية عشر
المشهور الّذي عليه الجمهور أن طاعون عمواس كان بها، و قد تبعنا قول سيف بن عمر و ابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها، لكنا نذكر وفاة من مات في الطاعون في هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى، قال ابن إسحاق، و أبو معشر: كان في هذه السنة طاعون عمواس و عام الرمادة، فتفانى فيهما الناس. قلت: كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، و جاع الناس جوعا شديدا.
و قد بسطنا القول في ذلك في سيرة عمر. و سميت عام الرمادة لأن الأرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد. و قيل: لأنها تسفى الريح ترابا كالرماد. و يمكن أن تكون سميت لكل منهما و اللَّه أعلم. و قد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، و جفلت الأحياء إلى المدينة و لم يبق عند أحد منهم زاد فلجئوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة و الأموال حتى أنفده، و ألزم نفسه أن لا يأكل سمنا و لا سمينا حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن و السمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت و الخل، و كان يستمرئ الزيت. و كان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر رضى اللَّه عنه و تغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف. و استمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب و الدعة و انشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم.
قال الشافعيّ: بلغني أن رجلا من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك و لأنك لابن حرة. أي واسيت الناس و أنصفتهم و أحسنت إليهم. و قد روينا أن عمر عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحدا يضحك، و لا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، و لم ير سائلا يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له: يا أمير المؤمنين إن السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، و الناس في هم و ضيق فهم لا يتحدثون و لا يضحكون. فكتب عمر إلى أبى موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد. و كتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد. فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر و سائر الاطعمات، و وصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة و من جدة إلى مكة. و هذا الأثر جيد الاسناد، لكن ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة مشكل، فان مصر لم تكن فتحت في سنة ثماني عشرة، فاما أن يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة و هم و اللَّه أعلم.
و ذكر سيف عن شيوخه أن أبا عبيدة قدم المدينة و معه أربعة آلاف راحلة تحمل طعاما، فأمره عمر بتفريقها في الأحياء حول المدينة، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فلح عليه عمر حتى قبلها.