البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧ - وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام
إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شر لك و خير لنا، و إما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة و فضيحة عند اللَّه في الناس الملوك، و أما الّذي يدلنا عليه الرأى فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد للَّه الّذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج و الخنازير. قال: فجزع أهل فارس من هذا الكتاب، و لاموا شهريار على كتابه إليه و استهجنوا رأيه. و سار المثنى من الحرة إلى بابل، و لما التقى المثنى و جيشهم بمكان عند عدوة الصراة الأولى، اقتتلوا قتالا شديدا جدا، و أرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، و أمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا، و غنموا منهم مالا عظيما، و فرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة، و وجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى «بوران بنت أبرويز» فأقامت العدل، و أحسنت السيرة، فأقامت سنة و سبع شهور، ثم ماتت، فملكوا عليهم أختها «آزرميدخت زنان» فلم ينتظم لهم أمر، فملكوا عليهم «سابور بن شهريار»، و جعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنة كسرى «آزرميدخت» فكرهت ذلك و قالت: إنما هذا عبد من عبيدنا. فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضا، و ملكوا عليهم هذه المرأة و هي «آزرميدخت» ابنة كسرى. و لعبت فارس بملكها لعبا كثيرا، و آخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة و قد
قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».
و في هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي، و كان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية و قال:
هل حبل خولة بعد البين موصول* * * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
و للأحبة أيام تذكّرها* * * و للنوى قبل يوم البين تأويل
حلت خويلة في حي عهدتهم* * * دون المدينة فيها الديك و الفيل
يقارعون رءوس العجم ضاحية* * * منهم فوارس لا عزل و لا ميل
و قد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل:
و بيت المثنى قاتل الفيل عنوة* * * ببابل إذ في فارس ملك بابل
ثم إن المثنى بن حارثة استبطأ أخبار الصديق لتشاغله بأهل الشام، و ما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، و استناب على العراق بشير بن الخصاصية، و على المسالح سعيد بن مرة العجليّ، فلما انتهى المثنى إلى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت. و قد عهد إلى عمر بن الخطاب، و لما رأى الصديق المثنى قال لعمر: إذا أنامت فلا نمسين حتى تندب