البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٦ - صفة مقتله رضى اللَّه عنه
و قالوا: ما ذا نصنع بالبقاء بعدهم؟ كانوا لا يخافون في اللَّه لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد و أخذنا منهم ثأر إخواننا؟ فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم على ابن أبى طالب. و قال البرك و أنا أكفيكم معاوية: و قال عمرو بن بكر و أنا أكفيكم عمرو بن العاص.
فتعاهدوا و تواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها و اتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الّذي هو فيه فأما ابن ملجم فسار إلى الكوفة فدخلها و كتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بنى الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال لها قطام بنت الشجنة، قد قتل على يوم النهروان أباها و أخاها، و كانت فائقة الجمال مشهورة به، و كانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سلبت عقله و نسي حاجته التي جاء لها، و خطبها إلى نفسها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم و خادما و قينة. و أن يقتل لها على بن أبى طالب.
قال: فهو لك و و اللَّه ما جاء بى إلى هذه البلدة إلا قتل على، فتزوجها و دخل بها ثم شرعت تحرضه على ذلك و ندبت له رجلا من قومها، من تيم الرباب يقال له وردان، ليكون معه ردءا، و استمال عبد الرحمن ابن ملجم رجلا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا و الآخرة؟ فقال: و ما ذاك: قال؟ قتل على، فقال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر عليه؟ قال أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فان نجونا شفينا أنفسنا و أدركنا ثأرنا، و إن قتلنا فما عند اللَّه خير من الدنيا. فقال: ويحك لو غير على كان أهون على؟ قد عرفت سابقته في الإسلام و قرابته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فما أجدنى أنشرح صدرا لقتله. فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا.
فأجابه إلى ذلك بعد لأى و دخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، و قال: هذه الليلة التي واعدت أصحابى فيها أن يثأروا بمعاوية و عمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة- و هم ابن ملجم، و وردان، و شبيب- و هم مشتملون على سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها على، فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة، و يقول: الصلاة الصلاة فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته رضى اللَّه عنه،
و لما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم الا للَّه ليس لك يا على و لا لأصحابك، و جعل يتلو قوله تعالى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ و نادى على:
عليكم به،
و هرب وردان فأدركه رجل من حضر موت فقتله، و ذهب شبيب فنجا بنفسه و فات الناس، و مسك ابن ملجم و قدم على جعدة بن هبيرة بن أبى وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، و حمل