البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٦ - ذكر فتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى
بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا. فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحد، و لم يفقدوا شيئا.
و لما استقل المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن، فلم يجدوا بها أحدا، بل قد أخذ كسرى أهله و ما قدروا عليه من الأموال و الأمتعة و الحواصل و تركوا ما عجزوا عنه من الأنعام و الثياب و المتاع، و الآنية و الالطاف و الادهان ما لا يدرى قيمته. و كان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه و تركوا ما عجزوا عنه و هو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه.
فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء، فأخذوا في سككها لا يلقون أحدا و لا يخشونه غير القصر الأبيض ففيه مقاتلة و هو محصن.
فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه و سكنه سعد و اتخذ الإيوان مصلى، و حين دخله تلا قوله تعالى كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ* وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح، و ذكر سيف في روايته أنه صلاها بتسليمة واحدة و أنه جمع بالايوان في صفر من هذه السنة فكانت أول جمعة جمعت بالعراق، و ذلك لأن سعدا نوى الاقامة بها، و بعث إلى العيالات فأنزلهم دون المدائن و استوطنوها، حتى فتحوا جلولاء و تكريت و الموصل، ثم تحولوا الى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره. ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم و شردوهم و استلبوا منهم أموالا عظيمة. و أكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى و تاجه و حليه. و شرع سعد في تحصيل ما لك من الأموال و الحواصل و التحف، مما لا يقوم و لا يحد و لا يوصف كثرة و عظمة. و قد روينا أنه كان هناك تماثيل من جص فنظر سعد إلى أحدها و إذا هو يشير بإصبعه إلى مكان، فقال سعد: إن هذا لم يوضع هكذا سدى، فأخذوا ما يسامت إصبعه فوجدوا قبالتها كنزا عظيما من كنوز الأكاسرة الأوائل، فأخرجوا منه أموالا عظيمة جزيلة، و حواصل باهرة، و تحفا فاخرة. و استحوذ المسلمون على ما لك أجمع مما لم ير أحد في الدنيا أعجب منه. و كان في جملة ذلك تاج كسرى و هو مكلل بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار، و منطقته كذلك و سيفه و سواره و قباؤه و بساط إيوانه، و كان مربعا ستون ذراعا في مثلها، من كل جانب، و البساط مثله سواء، و هو منسوج بالذهب و اللآلئ و الجواهر الثمينة، و فيه مصور جميع ممالك كسرى، بلاده بأنهارها و قلاعها، و أقاليمها، و كنوزها، و صفة الزروع و الأشجار التي في بلاده. فكان إذا جلس على كرسي مملكته و دخل تحت تاجه، و تاج معلق بسلاسل الذهب، لأنه كان لا يستطيع أن يقله