البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٩ - ثم دخلت سنه ثنتين و ثلاثين
حتى رق له و قال له: ويحك يا مسكين ألا تأكل؟ و أتاه بطعام فقال: إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة، فقال له: كل و أنا أزمزم لك، فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك منه فسألوه فأخبرهم فقال: إن عندي رجلا من صفته كيت و كيت، فعرفوه و قصدوه مع الطحان و تقدم الطحان فدخل عليه و هم بالقبض عليه فعرف يزدجرد ذلك فقال له: ويحك خذ خاتمي و سواري و منطقتي و دعني أذهب من هاهنا، فقال لا، أعطني أربعة دراهم و أنا أطلقك، فزاده إحدى قرطيه من أذنه فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم أخرى، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند فلما أحاطوا به و أرادوا قتله قال: ويحكم لا تقتلوني فانا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه اللَّه بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني و اذهبوا بى إلى الملك أو إلى العرب، فإنهم يستحيون من قتل الملوك، فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي فجعلوه في جراب و خنقوه بوتر و ألقوه في النهر فتعلق بعود فأخذه أسقف- و اسمه إيليا- فنحن عليه مما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت و دفنه في ناووس، ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ففقد قرط من حليه فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرم ذلك. و كان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، و باقي ذلك هاربا من بلد إلى بلد، خوفا من الإسلام و أهله، و هو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق،
لقول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه» رواه البخاري.
و ثبت في الحديث الصحيح أنه لما جاء كتاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مزقه، فدعا عليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يمزق كل ممزق، فوقع الأمر كذلك، و في هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح، فمن ذلك ما فتح عنوة، و من ذلك ما فتح صلحا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن و هي مرو على ألفى ألف و مائتي ألف، و قيل على ستة آلاف ألف و مائتي ألف.
و في هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه.
ثم دخلت سنه ثنتين و ثلاثين
و فيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق- مضيق القسطنطينية- و معه زوجته عاتكة، و يقال فاطمة بنت قرطة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. قاله أبو معشر و الواقدي: و فيها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش و أمره أن يغزو الباب، و كتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، فسار حتى بلغ بلنجر فحصروها و نصبت عليها المجانيق و العرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم و عاونهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا- و كانت الترك تهاب