البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢ - وقعة اليرموك
و فرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، و قتل منهم خلق منهم ضرار بن الأزور رضى اللَّه عنهم. و قد ذكر الواقدي و غيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا و لم يشربها أحد منهم، رضى اللَّه عنهم أجمعين.
و يقال إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيّأت لأمرى فهل لك من حاجة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قال: نعم، تقرئه عنى السلام و تقول: يا رسول اللَّه إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل (رحمه اللَّه). قالوا: و ثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنّها الرحا. فلم تر يوم اليرموك (إلا) مخا ساقطا، و معصما نادرا، و كفا طائرة من ذلك الموطن. ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال: و الّذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر و الجلد غير ما رأيتم، و إني لأرجو أن يمنحكم اللَّه أكتافهم. ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم حتى انفض جمعهم، و حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فانكشفوا و تبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم.
قالوا: و بينما هم في جولة الحرب و حومة الوغى و الأبطال يتصاولون من كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له: ما الخبر؟ فقال له- فيما بينه و بينه-: إن الصديق رضى اللَّه عنه قد توفى و استخلف عمر، و استناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح. فأسرّها خالد و لم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف و وهن في تلك الحال، و قال له و الناس يسمعون: أحسنت، و أخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته و اشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب و المقاتلة، و أوقف الرسول الّذي جاء بالكتاب- و هو منجمة بن زنيم- إلى جانبه. كذا ذكره ابن جرير بأسانيده.
قالوا و خرج جرجه أحد الأمراء الكبار من الصف و استدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعتاق فرسيهما، فقال جرجه: يا خالد أخبرنى فاصدقني و لا تكذبني، فان الحر لا يكذب، و لا تخادعني فان الكريم لا يخادع المسترسل باللَّه، هل أنزل اللَّه على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا! قال: فيم سميت سيف اللَّه؟ قال: إن اللَّه بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه و نأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه و تابعه، و بعضنا كذبه و باعده، فكنت فيمن كذبه و باعده، ثم إن اللَّه أخذ بقلوبنا و نواصينا فهدانا به و بايعناه، فقال لي: أنت سيف من