البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٤ - وقعة أجنادين
العلى العظيم، اللَّه ربنا و ثقتنا و رجاؤنا و مولانا فنعم المولى و نعم النصير. فسار إليها فحاصرها، و زاحفه أهلها مرات عديدة، و كان آخرها وقعة أن قاتلوا قتالا عظيما، و صمم عليهم معاوية، و اجتهد في القتال حتى فتح اللَّه عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحوا من ثمانين ألفا، و كمل المائة الألف من الذين انهزموا عن المعركة، و بعث بالفتح و الأخماس إلى أمير المؤمنين عمر رضى اللَّه عنه.
قال ابن جرير: و فيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيليا، و مناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت.
وقعة أجنادين
و ذلك أنه سار بجيشه و على ميمنته ابنه عبد اللَّه بن عمرو، و على ميسرته جنادة بن تميم المالكي، من بنى مالك بن كنانة، و معه شرحبيل بن حسنة، و استخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعا من الروم عليهم الأرطبون، و كان أدهى الروم و أبعدها غورا، و أنكأها فعلا، و قد كان وضع بالرملة جندا عظيما و بايلياء جندا عظيما، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر.
فلما جاءه كتاب عمرو قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج. و بعث عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسى، و مسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا، و أبا أيوب المالكي إلى الرملة، و عليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص و جيشه، و جعل عمرو كلما قدم عليه أمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء و طائفة إلى هؤلاء. و أقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة و لا تشفيه الرسل فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد و سمع كلامه و تأمل حضرته حتى عرف ما أراد، و قال الأرطبون في نفسه: و اللَّه إن هذا لعمرو أو أنه الّذي يأخذ عمرو برأيه، و ما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله. فدعا حرسيا فسارّه فأمره بفتكه فقال: اذهب فقم في مكان كذا و كذا، فإذا مر بك فأقتله، ففطن عمرو ابن العاص فقال للأرطبون: أيها الأمير إني قد سمعت كلامك و سمعت كلامي، و إني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، و قد أجبت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك و يروا ما رأيت. فقال الأرطبون: نعم! فاذهب فأتنى بهم، و دعا رجلا فسارّه فقال: اذهب إلى فلان فرده. و قام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل، هذا و اللَّه أدهى العرب. و بلغت عمر بن الخطاب فقال: للَّه در عمرو. ثم ناهضة عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالا عظيما، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو ابن العاص، و ذلك حين أعياهم صاحب إيليا و تحصن منهم بالبلد، و كثر جيشه، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنك صديقي و نظيري أنت في قومك مثلي في قومي، و اللَّه لا تفتح من فلسطين شيئا بعد