البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٨ - فتح السوس
أعيدوه عليه و لا تجمعوا عليه القتل و العطش. فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأنس به. فقال له عمر: إني قاتلك، فقال إنك أمنتنى. قال: كذبت، فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ويحك يا أنس أنا أؤمن من قتل مجزأة و البراء؟ لتأتينى بمخرج و الا عاقبتك، قال: قلت لا بأس عليك حتى تخبرني. و قلت لا بأس عليك حتى تشربه، و قال له من حوله مثل ذلك. فأقبل على الهرمزان فقال: خدعتني و اللَّه لا أنخدع الا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين و أنزله المدينة.
و في رواية أن الترجمان بين عمرو بن الهرمزان كان المغيرة بن شعبة، فقال له عمر: قل له من أي أرض أنت؟ قال مهرجانى. قال: تكلم بحجتك. فقال: أ كلام حي أم ميت؟ قال: بل كلام حي.
فقال قد أمنتنى، فقال خدعتني و لا أقبل ذلك إلا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين و أنزله المدينة.
ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضا.
قلت: و قد حسن إسلام الهرمزان و كان لا يفارق عمر حتى قتل عمر فاتهمه بعض الناس بممالأة أبى لؤلؤة هو و جفينة، فقتل عبيد اللَّه بن عمر الهرمزان و جفينة على ما سيأتي تفصيله.
و قد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد اللَّه بالسيف قال: لا إله إلا اللَّه. و أما جفينة فصلب على وجهه.
و المقصود أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسعوا في بلاد العجم خوفا عليهم من العجم، حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات فان الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين، و إن لم يستأصل شأو العجم و إلا طمعوا في الإسلام و أهله، فاستحسن عمر ذلك منه و صوبه. و أذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم، ففتحوا بسبب ذلك شيئا كثيرا، و للَّه الحمد. و أكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها.
ثم نعود إلى فتح السوس و جندسابور و فتح نهاوند في قول سيف. كان قد تقدم أن أبا سبرة سار بمن معه من علية الأمراء من تستر إلى السوس، فنازلها حينا و قتل من الفريقين خلق كثير، فأشرف عليه علماء أهلها فقالوا: يا معشر المسلمين لا تتبعوا في حصار هذا البلد فانا نأثر فيما نرويه عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجال أو قوم معهم الدجال، و اتفق أنه كان في جيش أبى موسى الأشعري صاف بن صياد، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره، فجاء إلى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل، و تكسرت الأغلاق، و دخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان و دعوا الى الصلح فأجابوهم إلى ذلك، و كان على السوس شهريار أخو الهرمزان، فاستحوذ المسلمون على السوس، و هو بلد قديم العمارة في الأرض يقال إنه أول بلد وضع على وجه الأرض و اللَّه أعلم.
و ذكر ابن جرير أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، و أن أبا موسى لما قدم بها بعد مضى أبى سبرة