البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٦ - ذكر فتح تستر ثانية عنوة و السوس و رامهرمز و أسر الهرمزان و بعثه إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
البصرة و استمر أبو سبرة] [١] على الامرة على جميع أهل الكوفة و البصرة، فحاصرهم أشهرا و كثر القتل من الفريقين، و قتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز سوى من قتل غير ذلك، و كذلك فعل كعب بن ثور، و مجزأة بن ثور، و أبو يمامة [٢] و غيرهم من أهل البصرة، و كذلك أهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة، و ربعي بن عامر، و عامر بن عبد الأسود و قد تزاحفوا أياما متعددة، حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء، بن مالك- و كان مجاب الدعوة-: يا براء اقسم على ربك ليهزمنهم لنا. فقال: اللَّهمّ اهمزهم لنا، و استشهدني قال: فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم و اقتحموها عليهم، و لجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به، و قد ضاقت بهم البلد، و طلب رجل من أهل البلد الأمان من أبى موسى فأمنه، فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد، و هو من مدخل الماء إليها، فندب الأمراء الناس إلى ذلك فانتدب رجال من الشجعان و الأبطال، و جاءوا فدخلوا مع الماء- كالبط- إلى البلد، و ذلك في الليل، فيقال كان أول من دخلها عبد اللَّه بن مغفل المزني، و جاءوا إلى البوابين فأناموهم و فتحوا الأبواب، و كبر المسلمون فدخلوا البلد، و ذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار، و لم يصلوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس [كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال: شهدت فتح تستر، و ذلك عند صلاة الفجر، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس] [٣] فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم. احتج بذلك البخاري لمكحول و الأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال. و جنح إليه البخاري و استدل بقصة الخندق في
قوله (عليه السلام) «شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ اللَّه قبورهم و بيوتهم نارا
» و
بقوله يوم بنى قريظة «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بنى قريظة
» فأخرها فريق من الناس إلى بعد غروب الشمس، و لم يعنفهم، و قد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح و المقصود أن الهرمزان لما فتحت البلد لجأ إلى القلعة فتبعه جماعة من الأبطال ممن ذكرنا و غيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة و لم يبق إلا تلافه أو تلافهم، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك و مجزأة بن ثور رحمهما اللَّه: إن معى جعبة فيها مائة سهم، و إنه لا يتقدم إلى أحد منكم إلا رميته بسهم قتلته، و لا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم، فما ذا ينفعكم إن أسرتموني بعد ما قتلت منكم مائة رجل؟ قالوا: فما ذا تريد؟ قال: تؤمنونى حتى أسلمكم يدي فتذهبوا بى إلى عمر بن الخطاب فيحكم فىّ بما يشاء. فأجابوه إلى ذلك فألقى قوسه و نشابه و أسروه فشدوه وثاقا و أرصدوه ليبعثوه إلى أمير
[١] لم ترد في المصرية.
[٢] كذا في الحلبية. و في المصرية: و أبو عتبة. و في الطبري أبو تميمة
[٣] لم ترد في الحلبية.