البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٦ - قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى الّذي كان ملك الفرس
المسجد ليفكر من يولى. فنام من الهم فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال له: إن هذا الأمر عظيم يا أمير المؤمنين، الّذي بلغ بك هذا. قال: و كيف و أهل الكوفة مائة ألف لا يرضون عن أمير و لا يرضى عنهم أمير. ثم جمع الصحابة و استشارهم، هل يولى عليهم قويا مشددا أو ضعيفا مسلما؟
فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، إن القوى قوته لك و للمسلمين و تشديده لنفسه، و أما الضعيف المسلم فضعفه عليك و على المسلمين و إسلامه لنفسه. فقال عمر للمغيرة- و استحسن ما قال له-:
اذهب فقد وليتك الكوفة. فرده إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه، و العلم عند اللَّه عز و جل. و بعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة [فقيل لعمار:
أساءك العزل؟ فقال: و اللَّه ما سرتني الولاية، و لقد ساءني العزل. و في رواية أن الّذي سأله عن ذلك عمر رضى اللَّه عنه] [١] ثم أراد عمر أن يبعث سعد بن أبى وقاص على الكوفة بدل المغيرة فعاجلته المنية في سنة ثلاث و عشرين على ما سيأتي بيانه، و لهذا أوصى لسعد به.
قال الواقدي: و في هذه السنة غزا الأحنف بن قيس بلاد خراسان، و قصد البلد الّذي فيه يزدجرد ملك الفرس. قال ابن جرير: و زعم سيف أن هذا كان في سنة ثماني عشرة. قلت:
و الأول هو المشهور و اللَّه أعلم.
قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى الّذي كان ملك الفرس
لما استلب سعد من يديه مدينة ملكه، و دار مقره، و إيوان سلطانه، و بساط مشورته و حواصله، تحول من هناك إلى حلوان، ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحول إلى الري، و أخذ المسلمون حلوان ثم أخذت الري، فتحول منها إلى أصبهان، فأخذت أصبهان، فسار إلى كرمان فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها، فانتقل إلى خراسان فنزلها. هذا كله و النار التي يعبدها من دون اللَّه يسير بها معه من بلد إلى بلد، و يبنى لها في كل بلد بيت توقد فيهم على عادتهم، و هو يحمل في الليل في مسيره إلى هذه البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه. فبينما هو ذات ليلة في هودجه و هو نائم فيه، إذ مروا به على مخاضة فأرادوا أن ينبهوه قبلها لئلا ينزعج إذا استيقظ في المخاضة، فلما أيقظوه تغضب عليهم شديدا و شتمهم، و قال: حرمتمونى أن أعلم مدة بقاء هؤلاء في هذه البلاد و غيرها، إني رأيت في منامي هذا أنى و محمدا عند اللَّه، فقال له: ملككم مائة سنة، فقال: زدني. فقال: عشرا و مائة.
فقال: زدني. فقال: عشرين و مائة سنة. فقال: زدني فقال لك، و أنبهتمونى، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الأمة.
[١] سقط من الحلبية.