البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - فصل
و اعملوا به تكونوا من أهله، و أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، و صلوا أرحام من قطعكم و عودوا بالفضل على من حرمكم، و إذ عاهدتم فأوفوا، و إذا حكمتم فاعدلوا، و لا تفاخروا بالآباء، و لا تنابزوا بالألقاب، و لا نمازحوا، و لا يغضب بعضكم بعضا، و أعينوا الضعيف و المظلوم و الغارمين و في سبيل اللَّه و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب، و ارحموا الأرملة و اليتيم، و أفشوا السلام و ردوا التحية على أهلها بمثلها أو بأحسن منها وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ و أكرموا الضيف، و أحسنوا إلى الجار، و عودوا المرضى، و شيعوا الجنائز، و كونوا عباد اللَّه إخوانا، أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إن الآخرة قد أظلت و أشرفت باطلاع، و ان المضمار اليوم و غدا السباق و إن السبقة الجنة و الغاية النار، ألا و إنكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثه عجل، فمن أخلص للَّه عمله في أيام مهلة قبل حضور أجله فقد أحسن عمله و نال أمله، و من قصر عن ذلك فقد خسر عمله و خاب أمله، و ضره أمله، فاعملوا في الرغبة و الرهبة فان نزلت بكم رغبة فاشكروا اللَّه و أجمعوا معها رهبة، و إن نزلت بكم رهبة فاذكروا اللَّه و أجمعوا معها رغبة، فان اللَّه قد تأذن المسلمين بالحسنى، و لمن شكر بالزيادة، و إني لم أر مثل الجنة نام طالبها، و لا كالنار نام هاربها، و لا أكثر مكتسبا من شيء كسبه ليوم تدخر فيه الذخائر، و تبلى فيه السرائر، و تجتمع فيه الكبائر، و إنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل، و من لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال، و من لا ينفعه اليقين يضره الشك، و من لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أعور، و غائبة عنه أعجز: و إنكم قد أمرتم بالظعن و دللتم على الزاد، ألا و إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الأمل و اتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسى الآخرة، و أما اتباع الهوى فيبعد عن الحق، ألا و إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، و إن الآخرة قد ترحلت مقبلة، و لهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم، و لا تكونوا من بنى الدنيا فان اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل،
و هذه خطبة بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر.
و قد روى لها شواهد من وجوه أخر متصلة و للَّه الحمد و المنة. و قد ذكر ابن جرير: أن عليا رضى اللَّه عنه لما نكل أهل العراق عن الذهاب إلى الشام خطبهم فوبخهم و أنبهم و توعدهم و هددهم و تلا عليهم آيات في الجهاد من سور متفرقة، و حث على المسير إلى عدوهم فأبوا من ذلك و خالفوه و لم يوافقوه، و استمروا في بلادهم، و تفرقوا عنه هاهنا و هاهنا، فدخل على الكوفة
فصل
و قد ذكر الهيثم بن عدي أنه خرج على على بعد النهروان رجل يقال له: الحارث بن راشد الناجي، قدم مع أهل البصرة، فقال لعلى: إنك قد قاتلت أهل النهروان في كونهم أنكروا عليك