البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين
عن كواهلها، و يضيق فضاء الأرض و رحبها عليك. فقال معاوية: لو قد كان ذلك كانت عليك أضيق. و خرج القوم من بين يديه فذهبوا إلى على فأخبروه بما قال. و بعث معاوية حبيب بن مسلمة الهفرى، و شرحبيل بن السمط، و معن بن يزيد بن الأخنس إلى على، فدخلوا عليه فبدأ حبيب فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد فان عثمان بن عفان كان خليفة مهديا عمل بكتاب اللَّه و ثبت لأمر اللَّه، فاستثقلتم حياته، و استبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلته إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، فيولي الناس أمرهم من جمع عليه رأيهم.
فقال له على: و ما أنت لا أم لك، و هذا الأمر و هذا العزل، فاسكت فإنك لست هناك و لا بأهل لذاك. فقال له حبيب: أما و اللَّه لتريني حيث تكره، فقال له على: و ما أنت و لو أجلبت بخيلك و رجلك لا أبقى اللَّه عليك إن أبقيت، اذهب فصعّد و صوّب ما بدا لك.
ثم ذكر أهل السير كلاما طويلا جرى بينهم و بين على، و في صحة ذلك عنهم و عنه نظر فان في مطاوى ذلك الكلام من على ما ينتقص فيه معاوية و أباه، و إنهم انما دخلوا في الإسلام و لم يزالا في تردد فيه و غير ذلك و إنه قال في غبون ذلك: لا أقول إن عثمان قتل مظلوما و لا ظالما. فقالوا: نحن نبرأ ممن لم يقل إن عثمان قتل مظلوما، و خرجوا من عنده،
فقال على: (إنك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين و ما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلى من يؤمن بئايتنا فهم مسلمون) ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم و طاعة نبيكم، و هذا عندي لا يصح عن على رضى اللَّه عنه.
و روى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد باسناده أن قراء أهل العراق و قراء أهل الشام عسكروا ناحية و كانوا قريبا من ثلاثين ألفا، و أن جماعة من قراء العراق منهم عبيدة السلماني، و علقمة بن قيس، و عامر بن عبد قيس، و عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، و غيرهم جاءوا معاوية فقالوا له: ما تطلب؟ قال: أطلب بدم عثمان قالوا: فمن تطلب به؟ قال: عليا، قالوا: أ هو قتله؟ قال:
نعم! و آوى قتلته. فانصرفوا إلى على فذكروا له ما قال فقال: كذب! لم أقتله و أنتم تعلمون أنى لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية فقال: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر رجالا. فرجعوا إلى على فقال: و اللَّه لا قتلت و لا أمرت و لا ماليت. فرجعوا فقال معاوية فان كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان، فإنهم في عسكره و جنده فرجعوا فقال على: تأول القوم عليه القرآن في فتنة و وقعت الفرقة لأجلها و قتلوه في سلطانه و ليس لي عليهم و سبيل. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال: إن كان الأمر على ما يقول فما له أنفذ الأمر دوننا من غير مشورة منا و لا ممن هاهنا؟ فرجعوا إلى على فقال على: إنما الناس مع المهاجرين و الأنصار، فهم شهود الناس على ولايتهم و أمر دينهم، و رضوا و بايعوني، و لست أستحل