البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٢ - وقعة جرجير و البربر مع المسلمين
الخمس من الغنيمة نفلا، فسار إليها في عشرة آلاف فافتتحها سهلها و جبلها، و قتل خلقا كثيرا من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة و الإسلام، و حسن إسلامهم، و أخذ عبد اللَّه بن سعد خمس الخمس من الغنيمة و بعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، و قسم أربعة أخماس الغنيمة بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار و الراجل ألف دينار. قال الواقدي: و صالحه بطريقها على ألفى ألف دينار و عشرين ألف دينار، فأطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم و يقال لآل مروان.
غزوة الأندلس
لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد اللَّه بن نافع بن عبد قيس و عبد اللَّه بن نافع بن الحصين الفهريين من فورهما إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر، و كتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، و أنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان و السلام، قال فساروا إليها فافتتحوها و للَّه الحمد و المنة.
وقعة جرجير و البربر مع المسلمين
لما قصد المسلمون و هم عشرون ألفا إفريقية، و عليهم عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، و في جيشه عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن الزبير، صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين و مائة ألف، و قيل في مائتي ألف، فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه و لا أخوف عليهم منه، قال عبد اللَّه بن الزبير: فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف و هو راكب على برذون، و جاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح فسألته أن يبعث معى من يحمى ظهري و أقصد الملك، فجهز معى جماعة من الشجعان، قال فأمر بهم فحموا ظهري و ذهبت حتى خرقت الصفوف إليه- و هم يظنون أنى في رسالة إلى الملك- فلما اقتربت منه أحس منى الشر ففر على برذونه، فلحقته فطعنته برمحي، و ذففت عليه بسيفي، و أخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح و كبرت، فلما رأى ذلك البربر فرقوا و فروا كفرار القطا، و اتبعهم المسلمون يقتلون و يأسرون فغنموا غنائم جمة و أموالا كثيرة، و سبيا عظيما، و ذلك ببلد يقال له سبيطلة- على يومين من القيروان- فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه و عن أبيه و أصحابهما أجمعين.
قال الواقدي: و في هذه السنة افتتحت إصطخر ثانية على يدي عثمان بن أبى العاص، و فيها غزا معاوية قنسرين، و فيها حج بالناس عثمان بن عفان. قال ابن جرير قال بعضهم و في هذه السنة غزا معاوية قبرص، و قال الواقدي: كان ذلك في سنة ثمان و عشرين. و قال أبو معشر: غزاها معاوية سنة ثلاث و ثلاثين فاللَّه أعلم.