البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٤ - ثم دخلت سنة سبع عشرة
أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم.
فيقال إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الّذي بعده، فكرهوا ذلك. و منهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، و لطوله أيضا. و قال قائلون: أرخوا من مولد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال آخرون من مبعثه (عليه السلام).
و أشار على بن أبى طالب و آخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد و المبعث. فاستحسن ذلك عمر و الصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أرخوا من أول تلك السنة من محرمها، و عند مالك (رحمه اللَّه) فيما حكاه عن السهيليّ و غيره أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه (عليه السلام) إلى المدينة. و الجمهور على أن أول السنة من المحرم، لأنه أضبط لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية. و في هذه السنة- أعنى سنة ست عشرة- توفيت مارية أم إبراهيم بن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقدي و ابن جرير و غير واحد، و صلى عليها عمر بن الخطاب، و كان يجمع الناس لشهود جنازتها، و دفنت بالبقيع رضى اللَّه عنها و أرضاها، و هي مارية القبطية، أهداها صاحب اسكندرية- و هو جريج بن مينا- في جملة تحف و هدايا لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقبل ذلك منه، و كان معها أختها شيرين التي وهبها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان. و يقال أهدى المقوقس معهما جاريتين أخرتين، فيحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية و سيرين. و أهدى معهن غلاما خصيا اسمه مابور، و أهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الدلدل، و أهدى حلة حرير من عمل الاسكندرية. و كان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان.
فحملت مارية من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بإبراهيم (عليه السلام)، فعاش عشرين شهرا، و مات قبل أبيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسنة سواء. و قد حزن عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بكى عليه و قال: تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضى ربنا، و إنا بك يا إبراهيم لمحزونون،
و قد تقدم ذلك في سنة عشر. و كانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان. و قد حظيت عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أعجب بها، و كانت جميلة ملاحة، أي حلوة، و هي تشابه هاجر سرّية الخليل، فان كلا منهما من ديار مصر و تسراها نبي كريم، و خليل جليل، (عليهما السلام).
ثم دخلت سنة سبع عشرة
في المحرم منها انتقل سعد بن أبى وقاص من المدائن إلى الكوفة، و ذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، و تغيرت ألوانهم، و ضعفت أبدانهم، لكثرة ذبابها و غبارها، فكتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها. فبعث سعد حذيفة و سلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلا مناسبا يصلح لاقامتهم. فمرا على أرض الكوفة و هي حصباء في رملة حمراء،