البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٦ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
بأبي و أمى، و لكن المستشار مؤتمن، سمعت من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول «إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، و القائم خير من الماشي، و الماشي خير من الراكب»
و قد جعلنا اللَّه إخوانا و حرم علينا دماءنا و أموالنا، فغضب عمار و سبه، و قال: يا أيها الناس، إنما قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وحده أنت فيها قاعدا خير منك قائما، فغضب رجل من بنى تميم لأبى موسى و نال من عمار، و ثار آخرون، و جعل أبو موسى يكفكف الناس، و كثر اللغط، و ارتفعت الأصوات، و قال أبو موسى أيها الناس، أطيعونى و كونوا خير قوم من خير أمم العرب، يأوى إليهم المظلوم، و يأمن فيهم الخائف، و إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، و إذا أدبرت تبينت ثم أمر الناس بكف أيديهم و لزوم بيوتهم، فقام زيد بن صوحان فقال: أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين، و سيد المسلمين، سيروا إليه أجمعون، فقام القعقاع بن عمرو فقال: إن الحق ما قاله الأمير، و لكن لا بد للناس من أمير يردع الظالم و يعدى المظلوم، و ينتظم به شمل الناس، و أمير المؤمنين على ملي بما ولى، و قد أنصف بالدعاء، و إنما يريد الإصلاح، فانفروا إليه، و قام عبد خير فقال: الناس أربع فرق، على بمن معه في ظاهر الكوفة، و طلحة و الزبير بالبصرة، و معاوية بالشام، و فرقة بالحجاز لا تقاتل و لا عناء بها، فقال أبو موسى: أولئك خير الفرق، و هذه فتنة. ثم تراسل الناس في الكلام ثم قام عمار و الحسن بن على في الناس على المنبر يدعوان الناس إلى النفير إلى أمير المؤمنين، فإنه إنما يريد الإصلاح بين الناس، و سمع عمار رجلا يسب عائشة فقال: اسكت مقبوحا منبوحا، و اللَّه إنها لزوجة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الدنيا و الآخرة، و لكن اللَّه ابتلاكم بها ليعلم أ تطيعوه أو إياها، رواه البخاري و قام حجر بن عدي فقال:
أيها الناس، سيروا إلى أمير المؤمنين، انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ و جعل الناس كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر،
و عمار و الحسن معه على المنبر حتى قال له الحسن بن على: ويحك! اعتزلنا لا أم لك، و دع منبرنا،
و يقال إن عليا بعث الأشتر فعزل أبا موسى عن الكوفة و أخرجه من قصر الامارة من تلك الليلة، و استجاب الناس للنفير فخرج مع الحسن تسعة آلاف في البر و في دجلة، و يقال سار معه اثنى عشر ألف رجل و رجل واحد، و قدموا على أمير المؤمنين فتلقاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعة، منهم ابن عباس فرحب بهم و قال: يا أهل الكوفة! أنتم لقيتم ملوك العجم ففضضتم جموعهم، و قد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فان يرجعوا فذاك الّذي نريده، و إن أبو داويناهم، بالرفق حتى يبدؤنا بالظلم، و لم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء اللَّه تعالى. فاجتمعوا عنده بذي قار، و كان من المشهورين من رؤساء من انضاف إلى على، القعقاع بن عمرو، و سعد بن مالك، و هند بن عمرو، و الهيثم بن شهاب، و زيد بن صوحان،