البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٧ - ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين
أبو أسيد
مالك بن ربيعة قال الفلاس: مات في هذه السنة، و الأصح أنه مات سنة أربعين، و قيل سنة ستين فاللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين
ففيها كانت غزوة الصواري، و غزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي و قال أبو معشر:
كانت غزوة الصواري سنة أربع و ثلاثين. و ملخص ذلك فيما ذكره الواقدي و سيف و غيرهما أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبى سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، و قد أحرزه غاية الحفظ و حمى حوزته، و مع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف،- و لهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة- فيقتلون خلقا، و يأسرون آخرين، و يفتحون حصونا و يغنمون أموالا و يرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح من أصاب من الفرنج و البربر، ببلاد إفريقية و الأندلس، حميت الروم و اجتمعت على قسطنطين بن هرقل، و ساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، و قصدوا عبد اللَّه بن أبى سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون و يصلبون، و بات المسلمون يقرءون و يصلون، فلما أصبحوا صف عبد اللَّه بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب، و أمرهم بذكر اللَّه و تلاوة القرآن، قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، و عقدوا صواريها، و كانت الريح لهم و علينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن و أنتم إلى البر فمات الأعجل منا و منكم، قال فنخروا نخرة رجل واحد و قالوا: الماء الماء، قال فدنونا منهم و ربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا و إياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف و الخناجر، و ضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل و ألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم، و غلب الدم على لون الماء، و صبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط، و قتل منهم بشر كثير، و من الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل اللَّه نصره على المسلمين فهرب قسطنطين و جيشه- و قد قلوا جدا- و به جراحات شديدة مكينة مكث حينا يداوي منها بعد ذلك، و أقام عبد اللَّه بن سعد بذات الصواري أياما، ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا. قال الواقدي: فحدثني معمر عن الزهري قال: كان في هذه الغزوة محمد بن أبى حذيفة، و محمد بن أبى بكر، فأظهرا عيب عثمان و ما غير و ما خالف أبا بكر و عمر، و يقولان دمه حلال لأنه استعمل عبد اللَّه ابن سعد- و كان قد ارتد و كفر بالقرآن العظيم و أباح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دمه، و أخرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أقواما و استعملهم عثمان، و نزع أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و استعمل سعيد بن العاص و عبد اللَّه بن