البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٥ - سنة ثلاثين من الهجرة النبويّة
فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها، فإذا فيها خرقة حمراء فنشروها، و إذا داخلها خرقة صفراء، و فيها إيران كميت و ورد. فقال شاعر يهجو بهما بنى نهد.
آب الكرام بالسبايا غنيمة* * * و فاز بنو نهد بايرين في سفط
كميت و ورد وافرين كلاهما* * * فظنوهما غنما فناهيك من غلط
قالوا: ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص، و امتنعوا عن أداء المال الّذي ضربه عليهم- و كان مائة ألف دينار و قيل مائتي ألف دينار و قيل ثلاثمائة ألف دينار- ثم وجه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك كما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.
و في هذه السنة عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة، و ولى عليها سعيد بن العاص و كان سبب عزله أنه صلى بأهل الكوفة الصبح أربعا ثم التفت فقال أزيدكم؟ فقال قائل: ما زلنا منك منذ اليوم في زيارة. ثم إنه تصدى له جماعة يقال كان بينهم و بينه شنئان، فشكوه إلى عثمان، و شهد بعضهم عليه أنه شرب الخمر و شهد آخر أنه رآه يتقاياها، فأمر عثمان بإحضاره و أمر بجلده، فيقال إن عليا نزع عنه حلته، و أن سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان، و عزله و أمر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص.
و في هذه السنة سقط خاتم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من يد عثمان في بئر أريس، و هي على ميلين من المدينة، و هي من أقل الآبار ماء، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل، و الاجتهاد في طلبه، حتى الساعة، فاستخلف عثمان بعده خاتما من فضة، و نقش عليه محمد رسول اللَّه، فلما قتل عثمان ذهب الخاتم فلم يدر من أخذه. و قد روى ابن جرير هاهنا حديثا طويلا في اتخاذ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خاتما من ذهب، ثم من فضة، و بعثه عمر بن الخطاب إلى كسرى، ثم دحية إلى قيصر، و أن الخاتم الّذي كان في يد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم في يد أبى بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان ست سنين، ثم إنه وقع في بئر أريس، و قد تقدم بعض هذا في الصحيح. و في هذه السنة وقع بين معاوية و أبى ذر بالشام، و ذلك أن أبا ذر أنكر على معاوية بعض الأمور، و كان ينكر على من يقتنى مالا من الأغنياء و يمنع أن يدخر فوق القوت، و يوجب أن يتصدق بالفضل، و يتأول قول اللَّه سبحانه و تعالى وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع، فبعث يشكوه إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبى ذر أن يقدم عليه المدينة، فقدمها فلامه عثمان على بعض ما صدر منه، و استرجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالربذة- و هي شرقى المدينة-
و يقال إنه سأل عثمان أن يقيم بها و قال: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لي «إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها
» و قد بلغ البناء سلعا، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة و أمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان، حتى لا يرتد