البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٧ - صفة قتله رضى اللَّه عنه
عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه و زور على لسانه؟ و ليس هو بمعصوم بل الخطأ و الغفلة جائزان عليه رضى اللَّه عنه، و إنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة، ظلمة مفترون، و لهذا صمموا بعد هذا على حصره و التضييق عليه، حتى منعوه الميرة و الماء و الخروج إلى المسجد، و تهددوه بالقتل، و لهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد و هو أول من منع منه، و من وقفه بئر رومة على المسلمين و هو أول من منع ماءها، و من أنه
أسمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، و الثيب الزاني، و التارك لدينه المفارق للجماعة»
و ذكر أنه لم يقتل نفسا، و لا ارتد بعد إيمانه، و لا زنى في جاهلية و لا إسلام، بل و لا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و في رواية بعد أن كتب بها المفصل. ثم ذكر لهم من فضائله و مناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه و الرجوع إلى الطاعة للَّه و لرسوله و لأولى الأمر منهم، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي و العدوان، و منعوا الناس من الدخول إليه و الخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، و ضاق المجال، و نفد ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب على بنفسه و حمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه بعد ما ناله من جهله أولئك كلام غليظ، و تنفير لدابته، و إخراق عظيم بليغ، و كان قد زجرهم أتم الزجر، حتى قال لهم فيما قال: و اللَّه إن فارس و الروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل، و اللَّه إنهم ليأسرون فيطعمون و يسقون، فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار. و جاءت أم حبيبة راكبة بغلة و حولها حشمها و خدمها، فقالوا، ما جاء بك؟ فقالت: إن عنده وصايا بنى أمية، لأيتام و أرامل، فأحببت أن أذكره بها، فكذبوها في ذلك و نالها منهم شدة عظيمة، و قطعوا حزام البغلة و ندّت بها، و كادت أو سقطت عنها، و كادت تقتل لو لا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، و وقع أمر كبير جدا، و لم يبق يحصل لعثمان و أهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و لما وقع هذا أعظمه الناس جدا، و لزم أكثر الناس بيوتهم، و جاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج، فقيل لها: إنك لو أقمت كان أصلح، لعل هؤلاء القوم يهابونك، فقالت: إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالنى منهم من الأذية ما نال أم حبيبة، فعزمت على الخروج. و استخلف عثمان رضى اللَّه عنه في هذه السنة على الحج عبد اللَّه بن عباس، فقال له عبد اللَّه ابن عباس: إن مقامي على بابك أحاجف عنك أفضل من الحج. فعزم عليه، فخرج بالناس إلى الحج و استمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق و رجع اليسير من الحج، فأخبر بسلامة الناس، و أخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين. و بلغهم