البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٣ - ذكر مجيء الأحزاب الى عثمان المرة الثانية من مصر و غيرها في شوال من هذه السنة
كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه كل إنسان آخذ باذن صاحبه إلا من أريد [١] جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، أخرجوا عنا، أما و اللَّه لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسؤكم و لا تحمدوا غبه، ارجعوا إلى منازلكم، فو اللَّه ما نحن مغلوبين على ما بأيدنا، قال فرجع الناس، و خرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر، فجاء على مغضبا حتى دخل على عثمان. فقال: أما رضيت من مروان و لا رضى منك إلا بتحويلك عن دينك و عقلك؟! و إن مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به، و اللَّه ما مروان بذي رأى في دينه و لا نفسه، و أيم اللَّه إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، و ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت سوقك، و غلبت على أمرك. فلما خرج على دخلت نائلة على عثمان فقالت: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلمي، فقالت: سمعت قول على أنه ليس يعاودك، و قد أطعت مروان حيث شاء، قال: فما أصنع؟ قالت: تتقى اللَّه وحده لا شريك له، و تتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، و مروان ليس له عند اللَّه قدر و لا هيبة و لا محبة، فأرسل إلى على فاستصلحه فان له قرابة منك و هو لا يعصى. قال فأرسل عثمان إلى على فأبى أن يأتيه، و قال: لقد أعلمته أنى لست بعائد. قال: و بلغ مروان قول نائلة فيه فجاء الى عثمان فقال: أتكلم أو اسكت؟ فقال: تكلم، فقال: إن نائلة بنت الفرافصة، فقال عثمان لا تذكرها بحرف فأسوء الى وجهك، فهي و اللَّه أنصح لي منك. قال: فكف مروان.
ذكر مجيء الأحزاب الى عثمان المرة الثانية من مصر و غيرها في شوال من هذه السنة
و ذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان، و غضب على على عثمان بسببه، و وجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير و لم يسلك سيرة صاحبيه كاتب أهل مصر و أهل الكوفة و أهل البصرة و تراسلوا، و زورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، و على لسان على و طلحة و الزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان و نصر الدين، و أنه أكبر الجهاد اليوم. و أذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد و طلحة و أبى حارثة و أبى عثمان، و قاله غيرهم أيضا، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس و ثلاثين، خرج أهل مصرفى أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل لهم يقول ستمائة، و المكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن ابن عديس البلوى، و كنانة بن بشر الليثي، و سودان بن حمران السكونيّ، و قتيرة السكونيّ و على القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي، و خرجوا فيما يظهرون للناس حجاجا، و معهم ابن السوداء- و كان أصله ذميا فأظهر الإسلام و أحدث بدعا قولية و فعلية، قبحه اللَّه- و خرج أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق أيضا، و أمراؤهم: زيد بن صوحان، و الأشتر النخعي، و زياد بن النضر الحارثي، و عبد اللَّه بن الأصم، و على الجميع عمرو بن الأصم. و خرج أهل البصرة في عدتهم أيضا في أربع
[١] كذا بالأصل و الطبري و في عقد الجمان مهملة من التنقيط و وصلها ابن الأثير بشاهت الوجوه