البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٨ - كيفية قتل كسرى ملك الفرس و هو يزدجرد
عامر، فبلغ ذلك عبد اللَّه بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، و لقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالا، فقيل لهما في ذلك فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه؟ فأرسل إليهما عبد اللَّه بن سعد فنهاهما أشد النهى و قال: و اللَّه لو لا لا أدرى ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما و حبستكما. قال الواقدي و في هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة. و في هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس.
كيفية قتل كسرى ملك الفرس و هو يزدجرد
قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل من بعض أهلها مالا فمنعوه و خافوه على أنفسهم، فبعثوا إلى الترك يستفزونهم عليه، فأتوه فقتلوا أصحابه و هرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحية على شط، فأوى إليه ليلا، فلما نام قتله. و قال المدائني: لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشيا عليه تاجه و منطقته و سيفه، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الّذي ينقر الأرحية فجلس عنده فاستغفله و قتله و أخذ ما كان عليه، و جاءت الترك في طلبه فوجدوه قد قتله و أخذ حاصله، فقتلوا ذلك الرجل و أهل بيته و أخذوا ما كان مع كسرى، و وضعوا كسرى في تابوت و حملوه إلى إصطخر، و قد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل فحملت منه و وضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق و سمى ذلك الغلام المخدج، و كان له نسل و عقب في خراسان، و قد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله، فبعث بإحداهما إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك فولدت له ابنه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص. و قال المدائني في رواية عن بعض شيوخه: إن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده و ذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له المرعاب فمكث فيه ليلتين و العدو في طلبه فلم يدر أين هو، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى و عليه أبهته، فقال له: ما أنت؟ إنسي أم جنى؟ قال: إنسي، فهل عندك طعام؟ قال: نعم! فأتاه بطعام فقال: إني مزمزم فأتنى بما أزمزم به، قال: فذهب الطحان إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به، قال: و ما تصنع به؟ قال: عندي رجل لم أر مثله قط و قد طلب منى هذا، فذهب به الأسوار إلى ملك البلد- مرو و اسمه ماهويه بن باباه- فأخبره خبره، فقال هو يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فذهبوا مع الطحان [فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه و تدافعوا و قالوا للطحان] [١] ادخل أنت فأقتله، فدخل فوجده نائما فأخذ حجرا فشدخ به رأسه ثم احتزه فدفعه إليهم و ألقى جسده في النهر، فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه، و خرج أسقف فأخذ جسده من النهر و جعله في تابوت و حمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس، و يروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل
[١] زيادة من المصرية.