البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٧ - فتح الجزيرة
في قول محمد بن إسحاق، و قال سيف: وصل إلى الجابية. قلت: و الأشهر أنه وصل سرع، و قد تلقاه أمراء الأجناد، أبو عبيدة، و يزيد بن أبى سفيان، و خالد بن الوليد، إلى سرع فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار عمر المهاجرين و الأنصار فاحتلفوا عليه، فمن قائل يقول: أنت قد جئت لأمر فلا ترجع عنه. و من قائل يقول: لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على هذا الوباء. فيقال إن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد. فقال أبو عبيدة: أ فرارا من قدر اللَّه؟ قال:
نعم! نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أ رأيت لو هبطت واديا ذا عدوتين إحداهما مخصبة و الأخرى مجدبة، فان رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللَّه، و إن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر اللَّه؟ ثم قال لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة.
قال ابن إسحاق في روايته و هو في صحيح البخاري: و كان عبد الرحمن بن عوف متغيبا في بعض شأنه، فلما قدم قال: إن عندي من ذلك علما، سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، يقول: إذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه.
فحمد اللَّه عمر- يعنى لكونه وافق رأيه- و رجع بالناس.
و قال الامام أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان بن حسين بن أبى ثابت عن إبراهيم بن سعد عن سعد بن مالك بن أبى وقاص و خزيمة بن ثابت و أسامة بن زيد قالوا: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن هذا الطاعون رجز و بقية عذاب عذب به قوم قبلكم، فإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه، و إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه» و رواه الامام أحمد أيضا من حديث سعيد بن المسيب و يحيى بن سعيد عن سعد بن أبى وقاص به.
قال سيف بن عمر: كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع، و كأن سيفا يعتقد أن هذا الوباء هو طاعون عمواس، الّذي هلك فيه خلق من الأمراء و وجوه المسلمين، و ليس الأمر كما زعم، بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه، كما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى. و ذكر سيف بن عمر أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزم على أن يطوف البلدان، و يزور الأمراء، و ينظر فيما اعتمدوه و ما آثروا من الخير، فاختلف عليه الصحابة فمن قائل يقول أبدا بالعراق، و من قائل يقول بالشام، فعزم عمر على قدوم الشام لأجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس، فإنه أشكل قسمها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك. و هذا يقتضي أن عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس، و قد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي، فهو قدوم آخر غير قدوم سرع. و اللَّه أعلم.
قال سيف عن أبى عثمان و أبى حارثة و الربيع بن النعمان قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث الناس بالشام أبدأ بها فأقسم المواريث و أقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلب في البلاد و أنبذ إليهم أمرى. قالوا: فأتى عمر الشام أربع مرات مرتين في سنة ست عشرة، و مرتين في سنة سبع