البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
و مصالحة، و ضرب عليهم الجزية، و اشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير، و شهد في الكتاب خالد بن الوليد، و عمرو بن العاص، و عبد الرحمن بن عوف، و معاوية بن أبى سفيان، و هو كاتب الكتاب و ذلك في سنة خمسة عشر. ثم كتب لأهل لد و من لك من الناس كتابا آخر و ضرب عليهم الجزية، و دخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء، و فر الأرطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى فتحها عمرو بن العاص، ثم فر إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي و قتله القيسي و قال في ذلك.
فإن يكن أرطبون الروم أفسدها* * * فإن فيها بحمد اللَّه منتفعا
و إن يكن أرطبون الروم قطّعها* * * فقد تركت بها أو صاله قطعا
و لما صالح أهل الرملة و تلك البلاد، أقبل عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكبا، فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها و اعتنقهما عمر معا رضى اللَّه عنهم* قال سيف ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية و قد توحّى فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه و ضرب وجهه و قال لا علّم اللَّه من علمك، هذا من الخيلاء، ثم لم يركب برذونا قبله و لا بعده، ففتحت إيلياء و أرضها على يديه ما خلا أجنادين فعلى يدي عمرو.
و قيسارية فعلى يدي معاوية. هذا سياق سيف بن عمر و قد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة.
قال محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصن بن علان قال يزيد بن عبيدة: فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة و فيها قدم عمر بن الخطاب الجابية. و قال ابو زرعة الدمشقيّ عن دحيم عن الوليد بن مسلم قال: ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرع ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الأمراء و سلموا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال فقسمها و جند الأجناد و مصر الأمصار ثم عاد إلى المدينة.
و قال يعقوب بن سفيان: ثم كان فتح الجابية و بيت المقدس سنة ست عشرة. و قال أبو معشر:
ثم كان عمواس و الجابية في سنة ست عشرة. ثم كانت سرع في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة قال: و كان فيها طاعون عمواس- يعنى فتح البلدة المعروفة بعمواس- فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريبا إن شاء اللَّه تعالى.
قال أبو مخنف: لما قد عمر الشام فرأى غوطة دمشق و نظر إلى المدينة و القصور و البساتين تلا قوله تعالى كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ثم أنشد قول النابغة.