البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٨ - ذكر فتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى
ألبس ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم أمير بنى مدلج رضى اللَّه عنه.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا عبد اللَّه بن يوسف الأصبهاني ثنا أبو سعيد ابن الأعرابي. قال وجدت في كتابي بخط يدي عن أبى داود حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد ثنا يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب أتى بفروة كسرى فوضعت بين يديه و في القوم سراقة بن مالك بن جعشم، قال فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه فلما رآهما في يدي سراقة قال الحمد للَّه سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابى من بنى مدلج. و ذكر الحديث. هكذا ساقه البيهقي.
ثم حكى عن الشافعيّ أنه قال: و إنما البسهما سراقة لأن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لسراقة و نظر إلى ذراعيه «كأنى بك و قد ألبست سواري كسرى»
قال الشافعيّ: و قد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى: قل اللَّه أكبر. فقال اللَّه أكبر. ثم قال: قل الحمد للَّه الّذي سلبهما كسرى بن هرمز و ألبسهما سراقة بن مالك أعرابى من بنى مدلج. و قال الهيثم بن عدي: أخبرنا أسامة بن زيد الليثي ثنا القاسم بن محمد بن أبى بكر، قال بعث سعد بن أبى وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى و سيفه و منطقته و سواريه و سراويله و قميصه و تاجه و خفيه، قال فنظر عمر في وجوه القوم. و كان أجسمهم و أبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا سراق قم فالبس، قال سراقة فطمعت فيه فقمت فلبست فقال أدبر فأدبرت، ثم قال أقبل فأقبلت، ثم قال بخ بخ، أعير أبي من بنى مدلج عليه قباء كسرى و سراويله و سيفه و منطقته و تاجه و خفاه. رب يوم يا سراق بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى و آل كسرى، كان شرفا لك و لقومك، انزع. فنزعت. فقال: اللَّهمّ إنك منعت هذا رسولك و نبيك، و كان أحب إليك منى و أكرم عليك منى. و منعته أبا بكر و كان أحب إليك منى، و أكرم عليك منى، و أعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بى. ثم بكى حتى رحمه من كان عنده. ثم قال لعبد الرحمن بن عوف:
أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسى و ذكر سيف بن عمر التميمي: أن عمر حين ملك تلك الملابس و الجواهر جيء بسيف كسرى و معه عدة سيوف منها سيف النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة و أن عمر قال: الحمد للَّه الّذي جعل سيف كسرى فيما يضره و لا ينفعه. ثم قال: إن قوما أدوا هذا لأمناء، أو لذو أمانة. ثم قال:
إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتى عن آخرته فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، و لم يقدم لنفسه، و لو قدم لنفسه و وضع الفضول في مواضعها لحصل له. و قد قال بعض المسلمين و هو أبو نجيد نافع بن الأسود في ذلك:
و أملنا على المدائن خيلا* * * بحرها مثل برّهنّ أريضا