البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٢ - وقعة قنسرين
ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق و غربها، و قد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، و جاء أمير آخر من الروم يقال له شنس و عسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا فسار توذرا نحو دمشق لينازلها و ينتزعها من يزيد ابن أبى سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد و برز إليه يزيد بن أبى سفيان من دمشق، فاقتتلوا و جاء خالد و هم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم و يزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم و لم يفلت منهم إلا الشارد، و قتل خالد توذرا و أخذوا من الروم أموالا عظيمة فاقتسماها و رجع يزيد إلى دمشق و انصرف خالد إلى أبى عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم، و قتل أبو عبيدة شنس و ركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها.
وقعة حمص الأولى
لما وصل أبو عبيدة في اتباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، و لحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصارا شديدا، و ذلك في زمن البرد الشديد، و صابر أهل البلد رجاء أن يصرفهم عنهم شدة البرد، و صبر الصحابة صبرا عظيما بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، و قد سقطت رجله و هي في الخف، و الصحابة ليس في أرجلهم شيء سوى النعال، و مع هذا لم يصب منهم قدم و لا إصبع أيضا، و لم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار، و أشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة فأبوا عليه ذلك و قالوا: أ نصالح و الملك منا قريب؟ فيقال إن الصحابة كبروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا: ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، و ما نحن فيه؟ ألا تصالحون القوم عنا؟ قال: فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، و ضرب الخراج على الأراضي، و أخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى و الفقر.
و بعث أبو عبيدة بالأخماس و البشارة إلى عمر مع عبد اللَّه بن مسعود. و أنزل أبو عبيدة بحمص جيشا كثيفا يكون بها مع جماعة من الأمراء، منهم بلال و المقداد و كتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء إلى الجزيرة و أنه يظهر تارة و يخفى أخرى. فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده.
وقعة قنسرين
لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما جاءها ثار إليه أهلها و من عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالا شديدا، و قتل منهم خلقا كثيرا، فأما من هناك من الروم فأبادهم و قتل أميرهم ميناس. و أما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا