البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٨ - ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين
و عليّ خاتم الأوصياء، ثم يقول: فهو أحق بالإمرة من عثمان، و عثمان معتد في ولايته ما ليس له.
فأنكروا عليه و أظهروا الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. فافتتن به بشر كثير من أهل مصر، و كتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة و البصرة، فتمالئوا على ذلك، و تكاتبوا فيه، و تواعدوا أن يجتمعوا في الإنكار على عثمان، و أرسلوا إليه من يناظره و يذكر له ما ينقمون عليه من توليته أقرباءه و ذوى رحمه و عزله كبار الصحابة. فدخل هذا في قلوب كثير من الناس، فجمع عثمان بن عفان نوابه من الأمصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له فاللَّه أعلم.
و قال الواقدي فيما رواه عن عبد اللَّه بن محمد عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع و ثلاثين أكثر الناس في المقالة على عثمان بن عفان و نالوا منه أقبح ما نيل من أحد، فكلم الناس على بن أبى طالب أن يدخل على عثمان، فدخل عليه فقال له: إن الناس ورائي و قد كلموني فيك، و و اللّه ما أدرى ما أقول لك، و ما أعرف شيئا تجهله، و لا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، و لا خلونا بشيء فنبلغكه، و ما خصصنا بأمور خفي عنك، إدراكها و قد رأيت و سمعت و صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نلت صهره، و ما ابن أبى قحافة بأولى بعمل الحق منك، و لا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، و إنك أقرب إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رحما، و لقد نلت من صهر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما لم ينالا، و لا سبقاك إلى شيء، فاللَّه اللَّه في نفسك، فإنك و اللَّه ما تبصر من عمى، و لا تعلم من جهل.
و إن الطريق لواضح بين، و إن أعلام الدين لقائمة، تعلم يا عثمان أن أفضل عباد اللَّه عند اللَّه إمام عادل، هدى و هدى، فأقام سنة معلومة، و أمات بدعة معلومة، فو اللَّه إن كلا لبين، و إن السنن لقائمة لها أعلام، و إن البدع لقائمة لها أعلام، و إن شر الناس عند اللَّه إمام جائر ضل و أضل به فأمات سنة معلومة و أحيا بدعة متروكة، و إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر، فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم، و إني أحذرك اللَّه و أحذرك سطوته و نقمته، فإن عذابه أليم شديد، و احذر أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإنه كان يقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة، و تلبس أمورها عليها، و يتركون شيعا لا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، و يمرحون فيها مرحا. فقال عثمان: قد و اللَّه علمت لتقولن الّذي قلت: أما و اللَّه لو كنت مكاني ما عنفتك و لا أسلمتك، و لا عبت عليك، و لا جئت منكرا، إني وصلت رحما، و سددت خلة، و آويت ضائعا، و وليت شبيها بمن كان عمر يولى، أنشدك اللَّه يا على هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال:
نعم! قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم! قال: فلم تلوموني أن وليت ابن عامر في رحمه و قرابته؟ فقال على: سأخبرك أن عمر كان كلما ولى أميرا فإنما يطأ على صماخيه، و أنه إن بلغه حرف جاء به، ثم بلغ