البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٩ - ثم دخلت سنة تسع و ثلاثين
الفضل امرأة العباس لأمها، و كان لها من الأخوات لأمها تسع أخوات، و هي أخت سلمى بنت عميس امرأة العباس التي له منها بنت اسمها عمارة.
ثم دخلت سنة تسع و ثلاثين
فيها جهز معاوية بن أبى سفيان جيوشا كثيرة ففرقها في أطراف معاملات على بن أبى طالب، و ذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبى موسى على عزل على، أن ولايته وقعت الموقع، فهو الّذي يجب طاعته فيما يعتقده، و لأن جيوش على من أهل العراق لا تطيعه في كثير من الأمر و لا يأتمرون بأمره، فلا يحصل بمباشرته المقصود من الامارة و الحالة هذه، فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الأمر كذلك. و كان ممن بعث في هذه السنة النعمان بن بشير في ألفى فارس إلى عين التمر، و عليها مالك بن كعب الأرحبي في ألف فارس مسلحة لعلى، فلما سمعوا بقدوم الشاميين ارفضوا عنه فلم يبق مع مالك بن كعب إلا مائة رجل فكتب عند ذلك إلى على يعلمه بما كان من الأمر، فندب على الناس إلى مالك بن كعب فتثاقلوا و نكلوا عنه و لم يجيبوا إلى الخروج،
فخطبهم على عند ذلك فقال في خطبته: «يا أهل الكوفة! كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشام انجحر كل منكم في بيته، و غلق عليه بابه. انجحار الضب في جحره، و الضبع في وجاره، المغرور و اللَّه من غررتموه، و لمن فارقكم فاز بالسهم الأصيب، لا أحرار عند النداء، و لا إخوان ثقة عند النجاة، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ما ذا منيت به منكم، عمى لا تبصرون، و بكم لا تنطقون، و صم لا تسمعون، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»
و دهمهم النعمان بن بشير فاقتتلوا قتالا شديدا و ليس مع مالك بن كعب إلا مائة رجل قد كسر واجفون سيوفهم و استقتلوا، فبينا هم كذلك إذ جاءهم نجدة من جهة مخنف بن سليم مع ابنه عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا، فلما رآهم الشاميون ظنوا أنهم مدد عظيم ففروا هرابا، فاتبعهم مالك بن كعب فقتل منهم ثلاثة أنفس و ذهب الباقون على وجوههم و لم يتم لهم أمر من هذا الوجه. و فيها بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف و أمره بأن يأتى هيت فيغير عليها، ثم يأتى الأنبار و المدائن. فسار حتى انتهى إلى هيت فلم يجد بها أحدا، ثم إلى الأنبار و فيها مسلحة لعلى نحو من خمسمائة، فتفرقوا و لم يبق منهم إلا مائة رجل، فقاتلوا مع قلتهم و صبروا حتى قتل أميرهم- و هو أشرس بن حسان البلوى- في ثلاثين رجلا من أصحابه، و احتملوا ما كان بالأنبار من الأموال و كروا راجعين إلى الشام،
فلما بلغ الخبر عليا رضى اللَّه عنه ركب بنفسه فنزل بالنخيلة فقال له الناس: نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين. فقال: و اللَّه ما تكفوننى و لا أنفسكم،
و سرح سعد بن قيس في أثر القوم فسار وراءهم حتى بلغ هيت فلم يلحقهم فرجع. و فيها بعث معاوية عبد اللَّه بن مسعدة الفزاري في ألف و سبعمائة إلى تيماء و أمره أن يصدق أهل البوادي و من