البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٧ - ذكر فتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى
على رأسه لثقله، بل كان يجيء فيجلس تحته ثم يدخل رأسه تحت التاج و السلاسل الذهب تحمله عنه، و هو يستره حال لبسه فإذا رفع الحجاب عنه خرت له الأمراء سجودا. و عليه المنطقة و السواران و السيف و القباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة، فيسأل عنها و من فيها من النواب، و هل حدث فيها شيء من الأحداث؟ فيخبره بذلك ولاة الأمور بين يديه. ثم ينتقل الى الأخرى، و هكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت لا يهمل أمر المملكة، و قد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكارا له بشأن الممالك، و هو إصلاح جيد منهم في أمر السياسة. فلما جاء قدر اللَّه زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك و الأراضي و تسلمها المسلمون من أيديهم قسرا، و كسروا شوكتهم عنها و أخذوها بأمر اللَّه صافية ضافية، و للَّه الحمد و المنة. و قد جعل سعد بن أبى وقاص على الأقباض عمرو بن عمرو بن مقرن فكان أول ما حصل ما كان في القصر الأبيض و منازل كسرى، و سائر دور المدائن، و ما كان بالايوان مما ذكرنا، و ما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية، و كان فيما رد زهرة بغل كان قد أدركه و غصبه من الفرس و كانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم و قال إن لهذا لشأنا فرده إلى الأقباض و إذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى و حليه، و لبسه الّذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا، و بغل آخر عليه تاجه الّذي ذكرنا في سفطين أيضا ردا من الطريق مما استلبه أصحاب السرايا، و كان فيما ردت السرايا أموال عظيمة و فيها أكثر أناث كسرى و أمتعته و الأشياء النفيسة التي استصحبوها معهم، فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم. و لم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم، و لا حمل الأموال لكثرتها. فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت ملآنا إلى أعلاه من أواني الذهب و الفضة، و يجدون من الكافور شيئا كثيرا، فيحسبونه ملحا، و ربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مرا حتى تبينوا أمره فتحصل الفيء على أمر عظيم من الأموال، و شرع سعد فخمسه و أمر سلمان الفارسي فقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين، فحصل لكل واحد من الفرسان اثنتي عشر ألفا، و كانوا كلهم فرسانا، و مع بعضهم جنائب، و استوهب سعد أربعة أخماس البساط و لبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمرو المسلمين بالمدينة لينظروا إليه و يتعجبوا منه، فطيبوا له ذلك و أذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية، و كان الّذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الأسدي، فروينا أن عمر لما نظر إلى ذلك قال إن قوما أدوا هذا لأمناء، فقال له على بن أبى طالب: إنك عففت فعفت رعيتك، و لو رتعت لرتعت. ثم قسم عمر ذلك في المسلمين فأصاب عليا قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفا، و قد ذكر سيف بن عمر أن عمر بن الخطاب ألبس ثياب كسرى لخشبة و نصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب، و ما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية. و قد روينا أن عمر