البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣ - وقعة اليرموك
سيوف اللَّه سله اللَّه على المشركين. و دعا لي بالنصر، فسميت سيف اللَّه بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
فقال جرجه: يا خالد إلى ما تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله و الإقرار بما جاء به من عند اللَّه عز و جل. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية و نمنعهم. قال: فإن لم يعطها قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيبكم و يدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال منزلتنا واحدة فيما افترض اللَّه علينا، شريفنا و وضيعنا و أولنا و آخرنا. قال جرجه: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر و الذخر؟ قال: نعم و أفضل. قال: و كيف يساويكم و قد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة و بايعنا نبينا و هو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء و يخبرنا بالكتاب و يرينا الآيات، و حق لمن رأى ما رأينا، و سمع ما سمعنا أن يسلم و يبايع، و إنكم أنتم لم تروا ما رأينا، و لم تسمعوا ما سمعنا من العجائب و الحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة و نية كان أفضل منا؟ فقال جرجه: باللَّه لقد صدقتني و لم تخادعني؟ قال: تاللَّه لقد صدقتك و ان اللَّه ولى ما سألت عنه. فعند ذلك قلب جرجه الترس و مال مع خالد و قال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسنّ عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين. و حملت الروم مع انقلابه إلى خالد و هم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبى جهل و الحرث بن هشام. فركب خالد و جرجه معه و الروم خلال المسلمين، فتنادى الناس و ثابوا و تراجعت الروم إلى مواقفهم و زحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد و جرجه من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب. و صلى المسلمون صلاة الظهر و صلاة العصر إيماء، و أصيب جرجه (رحمه اللَّه) و لم يصل للَّه إلا تلك الركعتين مع خالد رضى اللَّه عنهما. و ضعضعت الروم عند ذلك. ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم، فعند ذلك هربت خيالتهم، و أسندت بهم في تلك الصحراء، و أفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا. و أخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح، و عمد خالد إلى رحل الروم و هم الرجالة ففصلوهم عن آخرهم حتى صاروا كأنهم حائط قد هدم ثم تبعوا من فر من الخيالة و اقتحم خالد عليهم خندقهم، و جاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة، فجعل الذين تسلسلوا و قيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحد منهم سقط الذين معه. قال ابن جرير و غيره: فسقط فيها و قتل عندها مائة ألف و عشرون ألفا سوى من قتل في المعركة. و قد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم و قتلوا خلقا كثيرا من الروم، و كن يضربن من انهزم من المسلمين و يقلن:
أين تذهبون و تدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال.
قال و تجلل القيقلان و أشراف من قومه من الروم ببرانسهم و قالوا: إذا لم نقدر على نصر دين