البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٨ - فصل في غزوة القادسية
من الذين يلقون من المسلمين من النهب و السبي. و قالوا: إن لم تنجدونا و الا أعطينا ما بأيدينا و سلمنا إليهم الحصون. و اجتمع رأى الفرس على إرسال رستم إليهم، فبعث إليه يزدجرد فأمره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك، و قال: إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشا كثيفا مرة واحدة. فأبى الملك إلا ذلك، فتجهز رستم للخروج. ثم بعث سعد كاشفا الى الحيرة و إلى صلوبا فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الأرمني، و أمده بالعساكر. فكتب سعد الى عمر بذلك فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك عنهم، و لا ما يأتونك به، و استعن باللَّه و توكل عليه، و ابعث إليه رجالا من أهل النظر و الرأى و الجلد يدعونه، فإن اللَّه جاعل دعاءهم توهينا لهم و فلجا عليهم، و اكتب إلى في كل يوم. و لما اقترب رستم بجيوشه و عسكر بساباط كتب سعد إلى عمر يقول: إن رستم قد عسكر بساباط و جر الخيول و الفيول و زحف علينا بها، و ليس شيء أهم عندي، و لا أكثر ذكرا منى لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة و التوكل. و عبأ رستم فجعل على المقدمة و هي أربعون ألفا الجالنوس، و على الميمنة الهرمزان، و على الميسرة مهران بن بهرام و ذلك ستون ألفا، و على الساقة البندران في عشرين ألفا، فالجيش كله ثمانون ألفا فيما ذكره سيف و غيره. و في رواية: كان رستم في مائة ألف و عشرين ألفا، يتبعها ثمانون ألفا، و كان معه ثلاثة و ثلاثون فيلا منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها و أقدمها، و كانت الفيلة تألفه. ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم النعمان بن مقرن، و فرات بن حبان، و حنظلة بن الربيع التميمي، و عطارد بن حاجب، و الأشعث بن قيس، و المغيرة بن شعبة، و عمرو بن معديكرب، يدعون رستم إلى اللَّه عز و جل. فقال لهم رستم: ما أقدمكم؟ فقالوا: جئنا لموعود اللَّه إيانا، أخذ بلادكم و سبى نسائكم و أبنائكم و أخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، و قد رأى رستم في منامه كان ملكا نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله و دفعه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فدفعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى عمر. و ذكر سيف بن عمر أن رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن و ملتقاه سعدا بالقادسية أربعة أشهر كل ذلك لعله يضجر سعدا و من معه ليرجعوا، و لو لا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم و نصرهم عليهم، لما رأى في منامه، و لما يتوسمه، و لما سمع منهم، و لما عنده من علم النجوم الّذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن. و لما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية، فبعث رجلا سرية لتأتيه برجل من الفرس و كان في السرية طليحة الأسدي الّذي كان ادعى النبوة ثم تاب.
و تقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا. فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش و الصفوف، و تخطي الألوف، و قتل جماعة من الأبطال حتى أسر أحدهم و جاء به لا يملك من نفسه شيئا، فسأله