البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٥ - خالد بن الوليد
قال لأخى البراء: قم فركبا، و اختطب خالد من معه من المسلمين و قال: ما هو إلا الجنة و ما إلى المدينة سبيل. ثم حمل بهم فهزم المشركين.
و قد حكى مالك عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبى بكر: اكتب إلى خالد أن لا يعطى شاة و لا بعيرا إلا بأمرك. فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك، فكتب إليه خالد: إما أن تدعني و عملي، و إلا فشأنك بعملك. فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزى عنى جزاء خالد؟ قال عمر: أنا.
قال: فأنت. فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، ثم جاء الصحابة فأشاروا على الصديق بإبقاء عمر بالمدينة و إبقاء خالد بالشام. فلما ولى عمر كتب إلى خالد بذلك فكتب إليه خالد بمثل ذلك فعزله، و قال: ما كان اللَّه ليراني آمر أبا بكر بشيء لا أنفذه أنا. و قد روى البخاري في التاريخ و غيره من طريق على بن رباح عن ياسر بن سلمى البرني، قال: سمعت عمر يتعذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، و ذا الشرف و اللسان، فأمرت أبا عبيدة. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعت عاملا استعمله رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وضعت لواء رفعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أغمدت سيفا سله اللَّه، و لقد قطعت الرحم، و حسدت ابن العم. فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن مغضب في ابن عمك.
قال الواقدي (رحمه اللَّه)، و محمد بن سعيد و غير واحد: مات سنة إحدى و عشرين بقرية على ميل من حمص، و أوصى إلى عمر بن الخطاب. و قال دحيم و غيره: مات بالمدينة. و الصحيح الأول.
و قدمنا فيما سلف تعزير عمر له حين أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف، و أخذه من ماله عشرين ألفا أيضا. و قدمنا عتبة عليه لدخوله الحمام و تدلكه بعد النورة بدقيق عصفر معجون بخمر، و اعتذار خالد إليه بأنه صار غسولا. و روينا عن خالد أنه طلق امرأة من نسائه و قال: إني لم أطلقها عن ريبة، و لكنها لم تمرض عندي و لم يصبها شيء في بدنها و لا رأسها و لا في شيء من جسدها. و روى سيف و غيره: أن عمر قال حين عزل خالدا عن الشام، و المثنى بن حارثة عن العراق: إنما عزلتهما ليعلم الناس أن اللَّه نصر الدين لا بنصرهما و أن القوة للَّه جميعا. و روى سيف أيضا أن عمر قال حين عزل خالدا عن قنسرين و أخذ منه ما أخذ: إنك على لكريم، و إنك عندي لعزيز، و لن يصل إليك منى أمر تكرهه بعد ذلك. و قد قال الأصمعي عن سلمة عن بلال عن مجالد عن الشعبي قال:
اصطرع عمر و خالد و هما غلامان- و كان خالد ابن خال عمر- فكسر خالد ساق عمر، فعولجت و جبرت، و كان ذلك سبب العداوة بينهما. و قال الأصمعي عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال:
دخل خالد على عمر و عليه قميص حرير فقال عمر: ما هذا يا خالد؟ فقال: و ما بأس يا أمير المؤمنين، أ ليس قد لبسه عبد الرحمن بن عوف؟ فقال: و أنت مثل ابن عوف؟ و لك مثل ما لابن عوف؟ عزمت